
الاستشراق واللغة العربية | مع د. عبد الباسط هيكل
تحدث الدكتور عبد الباسط هيكل، أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج "في الاستشراق"، عن المستشرق الألماني ويليام شبيت؛ وقوله إنه العامية المصرية تصلح بديلاً للغة العربية، وأنها كانت دخيلة على المصريين، ووليمانيسيوه الذي طالب بأن نستبدل بالحرف العربي الحروفَ اللاتينية، وهل هذا مجرد تمركز حول الذات اللغوية بالنسبة إلى المستشرقين أم ربما رغبة في تفكيك البنية الهوياتية للثقافة العربية؟
الحرف العربي والقواعد العربية
وقال الدكتور عبد الباسط هيكل، أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر: "هذا الموضوع جدلي ومستمر، وأنا أريد أن أعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وطرح هذا الموضوع بقوة.. المهم؛ وأؤكد هنا أن الخلاف كان استشراقياً استشراقياً، هناك من المستشرقين مَن كان يرى أنه ستكون هناك خطوات أفضل إلى إدراك الوعي بالذات عندما يتم الخروج من الشكل التقليدي للحرف العربي، وهناك مَن أيَّدَ هذا؛ منهم شخصية أنا أعتبرها شخصية وطنية، وإن اختلفنا معه في مثل هذا الطرح مثلاً؛ مثل الوزير عبد العزيز فهمي، وهناك في هذه اللحظة التاريخية من المستشرقين من عقد محاضرات وندوات ليؤكد أن الحرف العربي والقواعد العربية صعب أن تتحرك، وأن هذا سيُحدث اهتزازاً في البنية الكلية، وأنه لا بد من أن ننطلق في تطوير الفكر اللغوي دون المساس بشكل الحرف ولا القواعد اللغوية؛ ومنها محاضرة بعنوان (ما بين الحرف العربي والحرف) التي كانت سنة ١٩٣٣، وتحدث عنها الدكتور عبد الوهاب عزام..
ذروة العقل اللغوي العربي وتأسيس مجمع اللغة العربية
وأضاف الدكتور عبد الباسط هيكل: فكرة أن يُطرح هذا الطرح أو هذا الموضوع على أننا بين طرح استشراقي من منطلق المؤامرة، وأن هناك عقلاً عربياً في طور الدفاع.. هذا أنا في رأيي غير دقيق، العقل الاستشراقي في هذه اللحظات التاريخية، وأنا أظن أن الثلاثينيات من القرن الماضي هي أفضل، وتمثل الذروة في العقل اللغوي العربي في مصر؛ لأن ١٩٣٢ كان تأسيس مجمع اللغة العربية، هذا المجمع الذي تأسس برئاسة مصري؛ هو محمد توفيق باشا؛ ولكنَّ أعضاءه جميعاً كانوا من المستشرقين، من مكانه من المستشرقين؛ ولم يكن المجتمع متأزماً. فطرح مثل هذا الطرح، وحدث خلاف استشراقي، وحدث خلاف أيضاً بين عقليات عربية ووطنية.
خلاف طه حسين وعبد العزيز فهمي
وقال أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، بشأن خلاف طه حسين وعبد العزيز فهمي، داخل مصر: "نعم، أنا أظن أن هذا الخلاف جاء تابعاً للخلاف الأول؛ يعني هو وجد الخلاف الأول ما بين المستشرقين، أنا أقول عنهم إنهم باحثون في اللغة، ونحن عندما نتحدث عن البحث في اللغة؛ فأنا لا أؤيد البحث عن الهوية ولا البحث عن الدين، ولكن ننظر إلى ما قدم من ورق وما قدم من أفكار؛ ولكن لأن الثقافة العربية، الثقافة الإسلامية، أصبحت أسيرة لما أقول عنه أو لما أطلق عليه جماعات امتلاك الحقيقة أو جماعات التمايز الديني، وضعت الاستشراقَ وكثيراً من الرعيل الأول؛ أمثال طه حسين أو الطبقة الأولى من المفكرين -يطلقون عليهم تلامذة المستشرقين- وضعوهم في قفص الاتهام؛ فأصبح الأمر ليس أمراً علمياً لنختلف ونتفق؛ ولكن أصبح وكأنه يمثل هوية في مقابل هوية أخرى".
هل اللغة العربية مؤهلة لاستقبال كل العلوم؟
وتابع الدكتور عبد الباسط هيكل: "أنا أتحدث عن لغة؛ هذه اللغة ملك الإنسان، يصنعها العقل الإنساني؛ لغة تنمو بنمو المجتمع وتتراجع بتراجع المجتمعات.. هناك أيضاً مغالطة مسؤول عنها الفكر الديني؛ أنه جعل اللغة كأنها لغة الإله، لأنها لغة القرآن؛ فبدأ العقل يتراجع وعندما نفكر ونمارس نقداً للغة، يظن كأننا نمارس نقداً بالمقدس أو هم يدخلون معارك ويظنون أنهم يدافعون عن المقدس، وهذا يجعلنا في غير المنطقة الصحيحة".
واستكمل أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر: "ولذلك أنا أقول بمنتهى الأريحية وبمنتهى الصراحة والمصارحة؛ القرآن الكريم قَدَّمَ للغة وحَرمَ اللغة، قدم للغة خلوداً، أهميةً، اهتماماً، أصجع اللغة موضع اهتمام مَن يريد أن يدخل إلى الدين وأن يقرأ في الكتاب المقدس؛ ولكنه حرم اللغة عندما جعل العقل يكبل عن أن يتحرك.. وأنا هنا لا أُحَمِّل الدين أو المقدس؛ ولكن أُحَمِّل العقل المتدين هذه المسؤولية، عندما نقول إن اللغة لم تتفاعل في فترة ماضية وأقول لعقود طويلة، عن أن تحدث تطوراً وتحريكاً في الدلالات وإعادة بناء جمل مختصرة والبعد عن الجماليات؛ يعني نحن ننظر حتى ١٩١٠ و١٩٢٠ كانت اللغة نثرية مسجوعة، لا تستطيع أن تكتب مقالاً علمياً في حتى هذه اللحظة، وعندما بدأ يتحدث سلامة موسى وغيره عن أنه علينا أن نتخفف من هذه الرتانة، ونخففها من البلاغيات القديمة التي أثارتها؛ فحتى الآن ما زلنا توجد الإنشائية، يعني توجد هذه الإشكالية..".
محاولات إنتاج لغة ثالثة.. ليست عامية أو نثرية
وأضاف الدكتور عبد الباسط هيكل: "هناك محاولات معاصرة لإنتاج لغة ثالثة ليست العامية وليست اللغة النثرية الموروثة؛ ولكن ما يطلق عليها اللغة العربية المعاصرة، اللغة العربية المعاصرة تتخفف من هذه الأغلال تماماً، تحاول أن تبحث عن جمل قصيرة وكلمات ذات معانٍ محددة؛ كلمات قريبة من القارئ.. فكرة أن ننتج ورقاً علمياً باللغة العربية، وأنا أعترف أن هناك ما زالت إشكالية، وأن هذا ليس بالكثير، وأن العقل العربي بشكل عام يحتاج إلى المزيد والمزيد من الجهد في هذا الأمر. وأظن أنه مما يساعد على هذا ويساعد على التطوير وأن نصل إلى اللغة العربية المعاصرة، الاهتمام بحركة الترجمة.. الترجمة ونقل المعاني من الثقافات المختلفة إلى العربية المعاصرة؛ هذا سيساعد في تطوير الحصيلة اللغوية وفي تطوير بناء الجملة.
مفهوم اللغة.. ونزول القرآن بلسان عربي
قال أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر: "نعود إلى مفهوم اللغة؛ هناك مفهوم لا معقول، مفهوم مفارق للواقع؛ يرى أن اللغة العربية وكأنها وجدت في مكان مفارق للزمان ومفارق للمكان ومفارق للإنسان، لكن إذا عُدنا إلى طبيعة اللغة، إلى المعقول، إلى العلمي، إلى المعرفي؛ سنقول إن اللغة دائماً هي ابنة المجتمع، متجددة، نظام متطور متغير.. الذي حدث أننا هكذا بدأت اللغة. اللغة قبلت من هنا وقبلت من هناك، حركة من القبائل العربية تقودها قريش في الشمال وفي الجنوب؛ فلا بد أن تدخل ألفاظ من الجنوب، ولا بد أن تدخل ألفاظ من الشمال. هذا النظام المفتوح بدأ يبني كلمات، تدخل كلمات جديدة، وقام القرآن على هذا؛ خاطب بلغة بنت هذا المجتمع، الذي حدث هو أن العقل اللغوي والعقل العربي بدأ يتجمد؛ بدأ يقبل على مضض ويتفاعل على مضض، ويظن أنه يحمي اللغة، هنا تأتي الإشكالية، ويظن أن هذا النظام اللغوي الذي تشكَّل في البيئة العربية هو ليس نظاماً مفتوحاً؛ النظام هو في حالة تفاعل مستمر".
لسان قريش وألسنة العرب
وتحدث الدكتور عبد الباسط هيكل، بشأن طه حسين وأنه حينما كتب عن الشعر الجاهلي، كيف تعاملنا معه؟ ويطرح قضايا لها علاقة باللغة، وأيضاً سؤال ألسنة العرب قبل الإسلام، كيف طرح في علاقته بلغة القرآن؟ مثلاً كارل فليرس هذا في بحثه القرآن بلهجة مكة الشعبية، ثم ديفيد صامويل ماركوليوس في بحثه نصوص القرآن؛ حينما قال إن لغة قريش ليست هي اللغة العربية؟ كيف أقارب هذه الأسئلة، اليوم، بلغة العلم؟ هل مثلاً لغة القرآن كانت فعلاً هي لهجة مكة؟ وما الفرق بينها وبين لغة العرب الموحدة التي استقروا على أن يُكتب بها الشعر ويدوَّن في ذلك الزمن؟ وهل يمكن اعتبار لسان قريش بسبب القرآن تُوِّج بديلاً لألسنة العرب في ذلك الزمان؟
وأجاب أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، عن هذا، قائلاً: "هذا السؤال متشعب، وكثير من الجزئيات.. أنا أنظر دائماً إلى المستشرقين وإلى الدراسات والبحوث التي كُتبت بأنها أشبه بإنسان عربي قرر أن يكتب في الفارسية أو في الأدب الفارسي.. هل سيكون متآمراً على الفارسية أو متآمراً على الدراسات الفارسية أو مَن يريد أن يكتب في اللغة الإنجليزية أو الأدب الإنجليزي، عندما نبدأ من هذه النقطة نشعر بالهدوء أولاً؛ فنستطيع أن نفكر، نعود مرة أخرى إلى البيئة العربية.. دائماً اللغة تبدأ من اللهجة، يعني هناك لهجة تقوى وتصمد وتتفوق على لهجات أخرى وتصبح لغة، واللغة في مراحل الانتهاء والاضمحلال تتحول إلى لهجات؛ لتبدأ في حالة من التلاشي".
اللغة واللهجة وإمكانية الصمود
وتابع الدكتور عبد الباسط هيكل: "اللغة تكون قادرةً على الصمود، واللهجة تتطور وفقاً لعوامل اجتماعية.. لا بد أن نقول هذا بشكل صريح؛ عندما توجد عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية تمنح اللهجة قوةً؛ تتحول هذه اللهجة بعوامل طبيعية ابنة الزمن والمكان، البيئة التي تصبح لغة..".
هل اللغة العربية أصبحت لهجة قريش؟
واستكمل هيكل: "هناك معلومة شائعة، هذه المعلومة يتم تداولها، وأنا أختلف معها؛ هذه المعلومة تقول إن اللغة العربية تشكلت وتوحدت وأصبحت لهجة قريش، هي اللغة العربية قبل الإسلام بنحو مئة وخمسين عاماً، وهذا غير دقيق، وهنا لن أطرح ما طرحه المستشرقون أو الباحثون؛ ولكن سأعود إلى ابن جرير الطبري.. ابن جرير الطبري في القرن الثالث الهجري يكتب ويقول في تفسيره إنه أدرك على وجه الندرة لهجات عربية ناطقة بالقرآن؛ وهو يكتب هذا في تفسيره، معنى هذا أنه كان هناك حضور للهجات أخرى تزاحم اللهجة القرشية، وعندما نتحدث عن حديث الأحرف السبعة؛ فيه عشرات التأويلات، أنا أظن أن المدرسة الإصلاحية ترى أن من أفضل التأويلات في هذا الأمر، الأحرص في سبع، إشارة إلى اللهجات. يعني القرآن وجد أنه كانت هناك لهجات، وانتخاب؛ يعني استبعاد ستة أحرف إشارة إلى استبعاد لهجات، وابن جرير الطبري وهو يعلق على هذا الأمر، قال إنه كان هناك حضور للهجات أخرى في القرن الثالث الهجري؛ ولكنها كانت على وجه الندرة...".
وأضاف أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر: "نستطيع أن نخلص من هذا إلى أن القرآن الكريم ساعد في أن تتفوق لهجة قريش لتصبح لغة، وليس هذا فقط؛ ولكن ساعد أيضاً في أن قبيلة قريش هي التي تحكم، فهناك تفوق سياسي، هناك كانت تقود العمل الاقتصادي في المنطقة العربية، فهناك عوامل أخرى تجعل قبائل تتراجع وقبائل تسود، فتجعل العنصر غير العربي المتحول إلى العربية يتأثر بهذا تحديداً ولا يتأثر بذاك، وهذا فعل إنساني مقبول جداً، وليس فيه أي نوع من أنواع الغضاضة؛ ولكن عندما تتصور اللغة بتصورات مفارقة للاجتماع. مفارقة لما عليه الإنسان. نبدأ في وضع إطارات ومسلمات عندما يتم اختبارها نكتشف أنها مسلمات كاذبة".
اللهجات السابقة على لغة القرآن ولغة الشعر الموحدة واللهجات المحلية
قال الدكتور عبد الباسط هيكل: "إذا نظرنا إلى الواقع وانطلقنا من الواقع؛ سنجد أننا أمام ازدواجية، توجد اللغة العربية وتوجد العاميات.. وجود وسائل اتصال يساعد في تطوير بنية لهجة مشتركة، فتتحول اللهجات المحلية إلى لهجة، وممكن أن نقول عنها إنها اللغة أو لهجة شعبية أو لغة مشتركة؛ الذي حدث في واقعنا المعرفي والعلمي.. أنا سأعود مرة أخرى إلى أن أنظر إلى الموضوع من المنظور المعرفي.. المنظور المعرفي يقول إنه كان من الخطأ الشائع أن يُنظر إلى اللغة من المنطلقات الأدبية؛ يعني ينظر إلى اللغة من منظور جمالي، فيتم الاحتفاء بالقديم لما يمثله من جماليات، ثم نحاول أن ننشئ من اللغة في الوقت المعاصر ما يتسق مع هذه الجماليات".
اللغة بعد الحرب العالمية الثانية وتطور الأفكار
وأضاف هيكل: "الدرس اللغوي والعقل الإنساني بعد الحرب العالمية الثانية بدأ ينظر إلى اللغة بشكل مختلف تماماً؛ اللغة هي أداة للاتصال، إذا كنا نبحث عن اتصال؛ فقد يكون هذا الاتصال في العامية أكثر فاعلية من الفصحى، وهنا بدأت تتطور الأفكار.. كيف نستطيع أن نصل إلى الجمهور؟ كيف نستطيع أن نطور من أدوات الاتصال؛ حتى نستطيع أن نصل إلى جمهور أوسع، سواء أكان من منطلق سياسي، للتأثير السياسي، أو من منطلق اقتصادي، للترويج للسلعة.. هناك دوافع أخرى لا تمثل صراع الهويات كما دائماً نضع الأمور؛ لكن الأمور والظواهر شديدة التركيب، هذا الواقع جعل الأمور تتطور ليصبح لدينا في هذه اللحظة هناك مَن يدرس العامية بشكل أكاديمي، ووضعت كتب ووضعت مؤلفات..".
الجامعة الأمريكية والعامية المصرية
واستطرد أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر: "يعني هنا في مصر الجامعة الأمريكية عندما تقوم بتعليم اللغة تعلِّم العامية المصرية. هذه الظاهرة تتشكل.. وهذه لها وعود بدافع، أنا أظن، ليس بدافع المؤامرة؛ ولكن بدافع سرعة الوصول إلى الإنسان، في هذا الزمن شديد التطور. ويوجد أيضاً في داخل هذه العملية من التفاعل؛ يوجد طرح آخر وهو قضية أن يتم تطوير لغة ثالثة، هذه اللغة الثالثة أو ما يطلق عليها حالياً حتى داخل الأروقة العلمية العربية المعاصرة، العربية المعاصرة؛ هي قادرة على أن تتجاوز جمهور دولة أو قطر بعينه إلى مخاطبة القطر العربي، هذه تتخفف من أعباء من الألفاظ وكثير من رتانة الماضي، وكذلك تتخفف من العاميات المحلية".
اللغة العربية المعاصرة.. هل نحن قادرون على المصاحبة والمواكبة والتأطير؟
قال الدكتور عبد الباسط هيكل: "هناك عقل يبحث عن الثبات والتأطير، وهذا لا يمكن في المجتمع الإنساني؛ سيظل متنوعاً، سيظل متفائلاً. هذه الحالة من التفاعل ستجعل هذا له وجود وهذا له وجود. مَن الذي سيستطيع أن يستمر؟ الذي يحتاج إليه الإنسان؛ الإنسان هو الذي يصنع، والإنسان هو الذي يخلق اللغة؛ فوجدت الحاجة إلى تواصل قطري عربي، فوجدت الفضائيات والنشرات.. وكذا، فبدأ يوجد مثل هذا المكون وهذه اللغة؛ حتى عبر برامج الكرتون العربي والأفلام المدبلجة، كل هذا وجد، ولا هناك احتياج. وعلى الجانب الآخر هناك الاحتياج إلى العاميات المحلية؛ فهذا له وجود، وهذا له وجود، وأنا أظن أنه ستظل هذه الحالة من التنوع حاضرةً دائماً.
إشكالية التأطير واللغة ابنة الحياة وتحولاتها
وأضاف أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر: "أظن أن المنطق الأرسطي أضر بالعقل العربي الجمعي؛ يعني نحن عندما استعَنَّا بالمنطق الأرسطي لوضع قواعد في الفقه أو ما سيطلق عليه الشريعة أو عند الكتابة في اللغة؛ ظننا أن هذا هو العلم وكفى، وأننا لا يمكن أن نتجاوز هذه القواعد أو هذا التأطير.. هذا أضر بالعقل؟ نعم أضر بالعقل. هذا أصابنا بكم كبير من الجمود؟ نعم، يعني نحن لو نظرنا في عمر القواعد العربية، منذ سيبويه إلى الآن، وقارنَّا بين هذا وبين سائر اللغات، سنجد أن في سائر اللغات حدث تطور هائل.. ونقلات جيدة جداً؛ ما عدا اللغة العربية، لماذا؟ لأنه ظن أننا عندما نحافظ على قواعد اللغة سنحافظ على الاتصال بالقرآن، وهذا أحدث حالة من حالات، يعني من أحد أسباب تراجع التواصل بالعربية المنضبطة داخل الشارع..".
النحو الجديد.. قامت الدنيا!
وتابع أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر: "يعني على سبيل المثال، ستجد المصريين عادة يعني بالعامية يقول (راجلين) (ما يقولش رَجُلَيْن)، دائماً يميل إلى الرفع ويستصعب الياء، فكان هذا أساس ورقة كتبها الشيخ أمين الخولي، تحت عنوان (النحو الجديد). وكان يريد أن نحذف؛ أن يكون المثنى وجمع المذكر السالم، أن يكون نصباً وجراً بالياء. وقامت الدنيا وكأنه يمس المقدس، والواقع هو كان يريد أن يحرك اللغة لتكون قريبةً ما بين العامية وما بين اللغة الفصحى، وهذه تجربة من الشيخ أمين الخولي؛ وهناك تجربة أيضاً من شيخ آخر؛ مثل الشيخ عبد المتعال الصعيدي، يعني من بنية المدرسة الإصلاحية من داخل المدرسة الإصلاحية، وقدموا أفكاراً في إعادة النظر في القواعد بهذا الشكل".
واستكمل الدكتور عبد الباسط هيكل: "كان هناك من المستشرقين مَن يرى صعوبة هذا الأمر، وأنا أظن في هذه اللحظة التاريخية بعد مضي ما يقرب من قرن على محاولات سابقة لتغيير صورة القواعد النحوية؛ أنه أصبح من الصعب. وتظل صعوبة التغيير؛ سيكون لها مردود في تعلم اللغة؛ فنجد هناك إشكاليات في تعلم العربية.. هذه الإشكاليات مرتبطة بأن قواعد النحو بها كثير من التفاصيل؛ ولكن أنا أظن في الوقت الراهن من الصعب أن يتم إحداث تحريك في هذا الأمر.
الشارع مَن يصنع اللغة
وأضاف هيكل: "وأظن السبب في ذلك بشكل واضح أننا لا توجد لدينا في المجتمعات العربية مرجعيات لغوية أكاديمية موحدة.. عندما وجد المجمع اللغوي الأول في مصر في ثلاثينيات القرن الماضي؛ كان الهدف هو أن يحدث تطويراً في اللغة، وكان من المشروعات العلمية الضخمة التي لم تحدث ولم تتم، المعجم التاريخي يعني تشكَّل ليتتبع تصور المدلولات والألفاظ التي يمكن أن تخرج والتي يمكن أن تدخل.. يعني نحن في تعليم اللغة مثلاً مثل تعليم اللغة الإنجليزية؛ ستجد هناك دائماً تحديث كلمات تخرج وكلمات تدخل.. هذا ممكن أن يكون تحديثاً سنوياً؛ ولكن لدينا في العربية، نحن فكرنا في هذا المشروع منذ نحو مئة سنة؛ ولكن لم يحدث، حتى عندما فكروا أن يستحدثوا كلمات لتوصيف أشياء جديدة كانت أشبه بالمزحة والشيء غير المناسب، يعني عندما أقول كلمة (ساندوتش) وأدخلها في العربية بمنتهى الأريحية (ساندوتش)؛ (قال يعني شاطر ومشطور وبينهما طازج)؛ أنا، كيف أنت تطلب مني الشيء؟ هذا الشارع. الشارع هو الذي يصنع اللغة، ولا بد أن تتفاعل معها. نصير مثلاً يرفض كلمة (الكمبيوتر) ويريد أن يستخدم (الحاسب الآلي) -الكمبيوتر ليس حاسباً فقط؛ هو متعدد الخدمات والاستعمالات- أصبحنا نقبل كلمة كمبيوتر؛ هي تفرض وجودها، ولكن تفرض ببطء، فنحن لدينا إشكالية على جانبَين؛ إشكالية العقل الذي سينظم من خلال المجمع، ومن خلال الأكاديميات؛ تعمل بمرونة حقيقية.. ولدينا أزمة أيضاً مع الشارع، مع المجتمع الذي يطور من مدلولاته ويغيِّر ألفاظه بشكل قوي، ويستطيع أن يفرض هذا.
القرآن والشعر الجاهلي ولغة الشارع واللغة المعاصرة.. لماذا نحن متوجسون دائماً؟
قال أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر: "يظل المستشرق أو الباحث في منطقة آمنة إذا تحدث عن اللغة؛ فإذا اقترب من القرآن دخل في المنطقة غير الآمنة.. هذا يحدث دائماً. الشيخ عبد القاهر الجرجاني، هو دائماً يُنظر إليه من الجميع، يعني المدرسة التقليدية والمدرسة غير التقليدية، الجميع ينظر إليه باهتمام وحفاوة وتقدير، ويُقال إن ما قدمه من نظرية النظم داخل القرآن الكريم يُعد من أفضل الدراسات أو ما وصل إليه الدرس اللغوي القادم..".
الشيخ عبد القاهر الجرجاني
وأضاف د.هيكل: "أنا سأعود إلى هذا الرجل، هذا الرجل الذي قدمه لأول مرة في العالم العربي وفي مصر في بدايات القرن الماضي؛ الشيخ محمد عبده، لم يكن أحد يعرف كتب الشيخ عبد القاهر، أول مَن قدم الشيخ عبد القاهر هو محمد عبده، والشيخ محمد عبده هو أب روحي له. الشيخ محمد عبده كان لديه صبر شديد على البحث داخل المخطوطات. من الممكن أن يقضي أياماً ومعه الطعام والشراب؛ يبحث داخل المخطوطات القديمة، أو داخل الكتب القديمة، ليُخرج مثل هذه الدروس. فالشيخ محمد عبده عندما أتى بالشيخ عبد القاهر الجرجاني.. الشيخ عبد القاهر يقولها بشكل صريح: دراسة الشعر واجبة؛ يجب أن نقوم بدراسة الشعر، فإننا إذا لم نتعرف على البنية الشعرية والنص الشعري، وكيف قال العرب أشعارهم؟ وفيمَ تفوقوا؟ وكيف صوروا؟... كذا وكذا من التفاصيل التي من الممكن أن نقولها، لن نستطيع أن نفهم القرآن.. هذا الرجل منذ مئات السنين، رجل تراثي، يتحدث ويربط ما بين القدرة على فهم لغة القرآن وبنية التصوير في القرآن، والإعجاز النظمي للقرآن، وبين الشعر..".
ليس بالشعر وليس بالنثر
وتابع أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر: "... هم قوم برعوا في هذا الفن؛ وهو فن الشعر، فكيف سيتحدث إليهم القرآن؟ لا نقول إن القرآن شعر، وأنا هنا أستعين بعبارة طه حسين عندما سُئل في هذا الأمر: كيف تصنف القرآن؟ قال ليس بالشعر وليس بالنثر.. كانت عبارة سيد قطب، وسيد قطب في طوره الأول أو في مرحلته الأولى قبل أن يأخذ هذا المسلك؛ كانت عبارته أقوى وأكثر صراحة، وقال القرآن هو نثر فني في مستوى متقدم".
"واعتصموا بحبل الله جميعاً".. لماذا الحبل؟
وأضاف هيكل: "يعني بمثل هذا النقاش كانت تتم الأمور، في زمن ماض تراثي، وفي زمن عصر النهضة في بدايتها في المنطقة العربية.. الآن نحن تراجعنا كثيراً وتراجعنا تماماً، وأصبح عندما نتحدث عن أن القرآن استخدم لغة تصويرية، لغة فنية، لغة أدبية، لغة مجازية؛ البعض يستشعر الحرج عندما تكون مثل هذه التعبيرات، في حين أننا ندرس للطلاب بوجود المجاز داخل القرآن الكريم، وأننا لا نستطيع أن تمر صفحة من المصحف دون أن تجد بداخلها مجازاً، كيف لا نستطيع؟ يعني كيف يمكن أن نفهم هذا دون أن ننظر إلى بيئة العربي. بيئة العربي هي في شعره، بيئة العربي في ديوانهم، وهو ديوان العرب. الشيء الذي تم نقله وأصبحت له مرجعية مهمة جداً، به نستطيع أن نفهم من معاني القرآن وسور القرآن الكريم؛ من خلال الشعر.. يعني أسوق على ذلك مثالاً عندما ننظر إلى قول الله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعاً)؛ الله يقول واعتصموا بدين الله، ولكن الله رفع كلمة دين، ووضع كلمة حبل؛ لماذا الحبل، هي في شعر العرب؛ يعني إذا عُدنا إلى العقل العربي سنجد أن العربي استخدم الحبل في شعره، وفي تصوره إشارة إلى أداة النجاة، إذا كنت في الصحراء كيف ستصل إلى أعماق الماء في بئر؛ إلا عبر الحبل.. فهو بالنسبة إليه هو النجاة في الصحراء؛ من دونه لن يصل إلى الأعماق، عندما كان يعتصم الرجل بشيخ القبيلة كان يدخل إلى خيمته ويمسك بحبل هذه الخيمة؛ فالصورة في سياق دراستنا لشعر العرب ومدونة العرب ليست مجردة، لماذا الحبل تحديداً؟ سنجد هذا".
واختتم أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، بمثال آخر، قائلاً: "عندما نجد في (الْعَادِيَاتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً)، أنا أريد أن أسأل أي إنسان معاصر: هل تفهم هذه الآيات؟ لن يستطيع أن يفهم معناها، ولن يستطيع أن يدرك الأثر النفسي لهذه الآيات.. طيب، عندما نعود إلى البيئة العربية والعاديات ضبحاً، القرآن يتحدث عن الفرس، الخيل المغيرة التي تغير على القبيلة مع أول الصباح، فتضرب بأقدامها ويُثار الغبار، فيدخل الفزع في قلب العربي؛ لأنه ينتظر إما سلباً وإما ينتظر أسراً وإما قتلاً؛ فالقرآن يهيئ المتلقي لهذه الحالة، فبدأ بهذه الآيات المفزعة، ليحدث اهتزازاً داخل نفس المتلقي؛ لينقل إليه المعنى الذي يريده بعد ذلك.. إن الإنسان كذا كذا كذا. كيف أستطيع أن أدرك هذه دون أن أتعرف على بيئة الشعر وبنية اللغة؛ حتى أستطيع أن أبني المعنى وأستطيع أن أتفاعل مع النص القرآني".
لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
روابط اللقاء

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.