
د. عبدالباسط هيكل أستاذ تحليل الخطاب الدينى بجامعة الأزهر لـ الأهرام: « الجماعة» تثير الانفعالات.. وتفشل فى تحريك العقول
أجرى الحوار محمد القزاز
خطابها أفران من بلاغة اللغة تحرق البشر.. تختفى منه مساحات التعايش وتنعدم فيه المراجعة والتقييم
ينطوى خطاب منتسبى جماعة الإخوان الإرهابية على تناقضات ظاهرة ودلالات خطيرة على أبنية المجتمع إذ يتعامل مع المعارضة والخصوم بأساليب متنوعة، ما بين بث الشائعات أو التقليل من الشأن والتسخيف، وعلى الجانب الآخر انطوى هذا الخطاب الدعائى على صناعة البطولة وأن «الإسلام يخوض معركته ضد أعداء الإسلام» فى محاولة منها لاستمالة مشاعر الجمهور.
الدكتور عبد الباسط سلامة هيكل الباحث والأكاديمى أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر والمتخصص فى تحليل بنية الخطاب الديني، يحلل لنا فى حواره مع « الأهرام» هذا الخطاب سابقا وآنيا، مبينا لنا كيف أن هذا الخطاب يقوم على الشعارات المثيرة للانفعالات، وأنها تجيد تحريك الانفعالات، وتفشل فى تحريك العقول، ولا تعرف تعددية فكرية تتسع للاختلاف دون تخوين أو تفسيق أو اتهام للنوايا، تعيش دور الضحية وتُكثر من التباكي، ودعوى المظلومية.. وإلى تفاصيل الحوار
كيف تصف خطاب الإخوان الإعلامى والدعائى منذ نشأتها؟
الجماعة تقدم نفسها دوما كجزء من صراع وجودى بين الإسلام والكفر، والحق والباطل.. خطاب جماعة الإخوان يقوم على الشعارات المثيرة للانفعالات منها القديم مثل: «إن الحكم إلا لله»، ومنها ما استحدث مثل: «إسلامية إسلامية» «التمكين للإسلام» «الإسلام يخوض معركته ضد أعداء الإسلام» فى محاولة منها لاستمالة مشاعر الجمهور، فهى تجيد تحريك الانفعالات، وتفشل فى تحريك العقول، لا تعرف تعددية فكرية تتسع للاختلاف دون تخوين أو تفسيق أو اتهام للنوايا، تعيش دور الضحية وتُكثر من التباكي، ودعوى المظلومية، تتحدث عن أستاذية العالم وتنسى أن أول طريقها ليس تنظيما يعيش فى عتمة فكرية يقتل الإبداع، ويجمد الفكر بل إطلاق ملكات العقل النقدية وتنويع مصادر معرفته، فأنَّى وجدت الحكمة فهى ضالته المنشودة التى يبحث عنها، وهذا لا مكان له داخل الصف الإخوانى الذى يعمل بمدخل بيانات واحد اسمه المصادر الإخوانية.
وما تحليلك لخطابهم بعد سقوط حكمهم فى مصر منذ أحد عشر عاما؟
لم تقم الجماعة بمراجعة ونقد للذات تعترف بأنها مارست الخداع فلم تعبأ بالشرعية القانونية فى أعقاب ثورة 25 يناير، وحتى بعد أن وصلت إلى أعلى منصب سياسى فى مصر، لم يلتزم الرئيس الإخوانى الأسبق، محمد مرسي، بقَسَمه أن يحترم الدستور والقانون، فمضت الجماعة فى طريقها، متجاهلة تقنين أوضاعها، مدعيةً أنّها تمتلك ما هو أقوى من الشرعية القانونية، وهو شرعية الأمر الواقع، على حدّ قول مرشدها: «تفكيك الجماعة وحلّ تنظيمها طواعية مرتبط بتغيّر الواقع الذى أوجد جماعة الإخوان وهو سقوط دولة الخلافة»، تلك النظرة التى تجلّت بوضوح فى قيام الجماعة بتقزيم مؤسسة الرئاسة المصرية فى فترة حكم مرسى بوضعها «أيقونة جانبية» على صفحتها على الإنترنت، فحجم هذه الأيقونة الصغيرة يعكس رؤية الإخوان للدولة المصرية مقارنة بحجم جماعة الإخوان.
وبدلا من الاعتراف بأنها تمسّكت بالسلطة تحت مسمى «الدفاع عن الشرعية» فى لحظة انقسام مجتمعى وسياسى غير مسبوق فى تاريخ مصر، إذا بها تبدأ مرحلة من العمل المسلح تحدث عنه فى تسجيل صوتى تحتفظ به ذاكرة اليوتيوب الدكتور مجدى شلش عضو اللجنة الإدارية العليا، ومسئول مكاتب محافظات قطاع وسط الجمهورية بجماعة الإخوان، ورفيق الدكتور محمد كمال مسئول العمل المسلح الذى أطلق عليه العمل الثورى النوعي: إنّ جماعة الإخوان المسلمين تبنّت بعد فضّ اعتصام رابعة إستراتيجية أطلقت عليها «خطة الإنهاك والإرباك والإفشال لإسقاط الدولة المصرية، وتغيّر شعار الجماعة من «سلميتنا أقوى من الرصاص» إلى «سلميتنا أقوى بالرصاص»، مؤكداً أنّ تلك الإستراتيجية موضع اتفاق وقناعة من الإخوة فى مختلف مستويات العمل داخل الجماعة، وأنّه شارك فى إعداد التأصيل الشرعى للتحول من السلمية/ المسار الإصلاحى إلى العمل المسلح/ المسار الثورى، مع عدد من الشرعيين والبرلمانيين من أبناء الجماعة، وبحضور أربعة من أعضاء مكتب الإرشاد، وقد استغرق إعداد تلك الرؤية ستة أشهر من العمل المتواصل فى أحد الأماكن المغلقة، حتى خرجت فى مئة صفحة، وقد لاقت قبولاً من قيادات السجون، وقواعد الجماعة، سيما الأخوات، مستشهداً بقول الأخوات فى لقاء بمحافظة كفر الشيخ: «لا طاعة للأزواج إذا تراجعوا عن خيار الجهاد»، فانحياز الجماعة إلى العمل المسلح لم يكن قرار القيادات فحسب؛ بل قرار المكاتب الإدارية فى محافظات مصر باستثناء محافظتين».
تستغل جماعة الإخوان دائما الأحداث السياسية والأزمات الاقتصادية لتمرير خطاب بعينه، فكيف قرأت تلك الخطابات خاصة فى أحداث كورونا وحرب غزة؟
لا تترك الإخوان فرصة إلا وتُحرّض على الكراهية والهدم، وتقويض أركان الدولة المصرية، تتبنى خطابا يدعو المصريين إلى الغضب ولا تُوجه هذا الخطاب إلى أى جنسية أخرى من الدول التى تعيش فيها، تتهم النظام المصرى بالتخاذل ولا تتهم أى نظام سياسى آخر من الدول التى تعيش فيها، تؤجج الانفعالات التى لا تُقدم حلولا وإنما تصنع مشكلات، فالغضب مثل العاصفة يستطيع أن يُدمّر سفينة لكنّه لا يستطيع أن يحلّ عقدة خيط، هكذا الغضب باسم الدين يُدمّر أوطانا لكنه يعجز عن تقديم حل لمشكلة من مشاكله المعقّدة، فالجاهلية التى تتهم بها المجتمعات تمارسها الجماعات فهى خضوع لسلطة الانفعال، واستسلام لقوة العاطفة دون الاحتكام إلى رزانة العقل وقوة المنطق، ومن هنا يأتى التعصب، فكلمة الجاهلية قبل أن تُستخدم للدلالة على فترة تاريخية محددة زمنا بعصر ما قبل الإسلام حملت دلالة أخرى ليست حكم العباد للعباد كما قال سيد قطب، وردّدها الإخوان وداعش وغيرهم من الجماعات، وإنما معناها التعصب والغضب، الذى يهدم اللحظة الحاضرة بكل ما تحمل من منجزٍ ماديٍ أو فكرى أو بنية مجتمعية أو مؤسسية دولية بغية تطهير الحاضر بإعادته إلى الماضى وفق ما يملكون من فهم صحيح للإسلام يتمايزون به عن الناس. تلك الحالة من الجاهلية والتعصب هى التى جاء الإسلام لطى صفحتها.
تستخدم دائما ما يسمى بالاحتيال اللغوي، فهل من الممكن رصد هذا الاحتيال فى خطابهم؟
تمارس جماعة الإخوان الخداع الدلالى بإطلاقها كلمة «التربية» على إعداد الأخ؛ ليكون ترسا فى ماكينة التنظيم، وهذا يتنافى مع ما تحمله كلمة «التربية» من معانٍ روحية وسلوكية وفكرية، وفى إطلاقها كلمة العمل النوعى أو الثورى على العمل المسلّح، وفى إطلاقها كلمة «الأسر» على سجْن أبناء الجماعة، وكأنّها حرب دينية مقدسة من يسقط فيها ما بين شهيد وأسير.
تُمارس الجماعة الخداع الدلالى بترديدها كلمة «المؤسسية» وصفاً لصناعة القرار وطرق تيسير الأعمال داخلها، والواقع أنّها كانت بعيدة عن معانى المؤسسية الحقيقية التى تقوم على الشفافية وتداول المعلومات، وقبول الاختلاف، والتنوع بين الأعضاء والتنافس، والمحاسبة وفق لائحة داخلية تحترم القانون، وتخضع لسيادته، تلك القيمة التى لا بديل عنها فى أيّ مجتمع حضاري، وهذا ما لم تعرفه الجماعة بدورانها فى حلقة تنظيم شمولى يستعصى على أيّ شكل من أشكال المؤسسية القانونية؛ بخلطه السياسى بالدينى والخيرى بالحزبى والوعظي.
برأيك هل أثّرت الانقسامات والانشقاقات داخل الجماعة على خطابها؟
خاضت الجماعة ولا تزال معارك تطهير داخل صفوفها، نفس السيف الذى سلطته على رقاب مخالفيها من اغتيال معنوى مارسته مع مخالفيها داخل الجماعة، فهم الخارجون عن فكر الجماعة التى تمثل صحيح الإسلام.
خطابها أفرانٌ من بلاغة اللغة تحرق البشر.. فهو دائما تحريضى انفعالى عنيف، لا يخلو من إنشائية رنانة، متباك مستغيث أحيانا، ومتباه حالم بالمثالية أحيانا، مساحات المحبة والتعايش والتسامح فيه ضئيلة، ومساحات التعقل والتفكير والمراجعة والنقد والتقييم منعدمة.
وهل نستطيع القول إن خطابها الإسلامى يعانى فى الوقت الراهن؟
خطاب الإخوان كان ولا يزال خطابا مأزوما متناقضا بين ما تُظهره لقواعدها وأنصارها وما تُظهر للرأى العام الدولي، تُخاطب قواعدها أنّ الغرب هو عدو الإسلام المتآمر، وتُخاطب الغرب فى الخارج بأنّه الصديق، الذى تحترم مواثيقه ونظمه الدولية، تدير نشاط التنظيم الدولى من مقرّ مكتبها المعلن فى العاصمة البريطانية لندن، ولا ترى مشكلة فى أن تضخّ أموال الجماعة من خلال أفراد فى استثمارات بالسوق الأمريكية والأوروبية.وفى الوقت الذى تُؤكّد جماعة الإخوان احترامها وقبولها للمواثيق الدولية، والدولة المعاصرة بحدودها الجغرافية، نجد ها تتحدث إلى قواعدها وأنصارها عن خلافة إسلامية مستقبلية لدولة تاريخية توسعية بلا حدود بشّرت بها أخبار مسندة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم تنتبه إلى تناقض تلك الأخبار، ولم تفكر فى اختبار صحة متنها، فى الوقت الذى تدعى احترام قيم المواطنة فى خطابها المعلن تؤكد لقواعدها أنه لا بديل عن الرباط الدينى الذى لا يتجاوز حدود الجماعة، تتحدث عن احترام دولة القانون، وهى تعمل من خلال تنظيم لا يخضع للقانون، تتحدث عن قبول المؤسسية الحديثة وفى الوقت نفسه تمارس شمولية بعيدة عن التخصصية المؤسسية.
وكيف تقيم تلك الحالة؟
حالة خلط فى أنشطة الجماعة لاتتماشى مع الهيئات والمؤسسات الدعوية أو الاجتماعية أو السياسية، تحرص على سرية التكوين والنشاط والتمويل، بينما منظمات المجتمع المدنى تقوم على عمل مؤسسى معلن فى أنشطته وتمويله، وفى الوقت الذى تقوم تجربة الدول المدنية المعاصرة على الشفافية والمحاسبة والتنافسية وقبول الآخر تعتمد هى على مبدأ الطاعة والثقة والشعور بالتمايز، وتتخبط بين الانتماء للأرض أم للدين، والانقياد لمصلحة الجماعة أم مصلحة الدولة، يعيشون بمتناقضات بين خطاب خارجى للإعلام والمؤسسات الدولية وخطاب داخلى لتعبئة القواعد والأنصار؛ لهذه التناقضات تحدث بداخل تلك الكيانات انشقاقات، ويتكرر صدامها بمن حولها من قوى متى أتيحت له فرصة إقامة تصورها حول الدولة؛ لأنّ ما يقولونه ليس هو ما يفعلونه، وما يطلبونه ليس هو ما يتصورونه، وهم كذلك لأنهم يسمون الأشياء بغير أسمائها.
تُقدم نفسها بوصفها حركة سياسية مدنية بينما هى تنظيم يتحرك فى إطار من السرية الشديدة وفق قواعد تنظيمية غير خاضعة للقانون، وتعمل كجماعة شمولية بموجب لائحة تُنافى قوانين العمل المؤسسى، ولا تصعيد داخل الجماعة إلا ببيعة من أركانها السمع والطاعة والجهاد والتضحية والثقة المطلقة فى قيادات الجماعة، ولا تعترف بالمؤسسية القائمة على الشفافية وتداول المعلومات والعمل العلنى وخضوع لائحتها وطرق تمويلها لمراقبة القانون وفتح باب العضوية والتصعيد التنظيمي؛ لجميع عناصر المجتمع وفق قواعد قانونية معلنة معترف بها من الدولة بعيدا عن التفتيش فى ضمائر الأعضاء عن الولاء الكامل والانتماء الشديد للتنظيم.
وأنها تعمل بلائحة تُنافى كل أشكال القانون فى جميع الدول؛ إذ يُبايع الأخ الذى يتم تصعيده تنظيمياً، بعد استكمال أركان البيعة العشرة، المرشد ومن ينوب عنه على السمع والطاعة بقسمٍ نصّه: «أبَايِعُ المرشد بِعَهْدِ اللهِ ومِيثَاقِهِ عَلَيْ أَنْ أَكُونَ جُندياً مُخلِصاً عَامِلاً فى جَماعَةِ الإخوانِ المُسْلِمِينَ، وعَلَيْ أَنْ أَسْمَعَ وأُطِيعَ فى العُسْرِ واليُسرِ والَمنْشَطِ والمَكْرَهِ إلاَّ فى مَعْصِيةِ اللهِ، وعَلَى ألاَّ أُنَازِعَ الأمر أهله، وعَلَى أنْ أَبْذُلَ جهدى ومالى ودَمِي»، وفى ثلاجة السمع والطاعة بالجماعة تجمّدت العقول، وفى أفران شحنها للعواطف أُشعلت الانفعالات بلا منطق وعلى غير هدي، وبالتالى بلا نفع أو نتيجة.
روابط اللقاء

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.