
لماذا كتب في تجديد الفكر الديني؟ ولماذا سكت؟ الشيخ علي عبد الرازق صاحب “كتاب الإسلام وأصول الحكم” يُجيب: الجزء الأول
لمحات من حياة الشيخ علي عبد الرازق
أثار كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبدالرازق جدلا واسعا في الفكر الإسلامي الحديث، فقُوبل الكتاب بموجات من المدح والتشجيع والذّم والتحذير، فوُصف بأنّه “تحوّل كبير في تناول السياسة من منظور إسلامي عقلاني حديث“، و”محاولة جربئة لتحرير الفكر الإسلامي من سلطة التقليد“، و”ثورة فكرية ضد تسييس الدين، وربط الإسلام بالسلطة“، و”فتْح باب الاجتهاد في قضايا السياسة“، و”دليل على شجاعة علمية نادرة في مواجهة التيار السائد“، كما اتّهم “بمخالفته للشريعة، والخروج على الثوابت، والترويج للعلمانية تحت عباءة الإسلام“، “والاعتداء على”الخلافة” رمز وحدة المسلمين.
فهل الشيخ زنديق، مُلحد يستحق ما لَحِق به من منْع من التدريس، وعزْل من القضاء، وطرْد من جماعة علماء الأزهر وسحْب لدرجة العالمية كما حدث في عهد الملك فؤاد أم أنّ الشيخ عالم أزهري مؤمن، يستحق التكريم الذي ناله في عهد الملك فاروق بعد أن تبدّلت الظروف السياسية، فألغى الأزهر الحكم الذي أصدره في عهد فؤاد ضد الشيخ عبدالرازق، وأعاد إليه مؤهله العلمي “درجة العالمية”، وأعاده إلى جماعة علماء الأزهر، واختير الشيخ عبد الرازق عضواً في مجلس النوّاب، ثمّ في مجلس الشيوخ، فوزيراً للأوقاف سنة ١٩٤٨، كما عمل محاضرًا لطلبة الدكتوراه في جامعة القاهرة على مدار عشرين عاما؟!
هل المعركة التي أثيرت حول الكتاب جولة من جولات الصراع بين مدرسة الإصلاح والأسرة الحاكمة في مصر أم جولة من جولات عملاء المستعمر ودعاة التبديد باسم التجديد؟ كيف انقسم تلامذة الإمام محمد عبده حول قضية الخلافة؟ لماذا انحاز عباس العقاد للشيخ عبدالرازق؟ هل الشيخ وكتابه رمز للتفكير الذي يُهدد الدين كما يرى جانب من المسلمين هم الأكثر سيطرة على مركز الثقافة الإسلامية المعاصرة واستحواذا على خطاباتها الدينية، أم أنّه وكتابه رمز للإصلاح والتجديد المشروع للفكر الديني كما يرى جانب ثانٍ من المسلمين، هم الأكثر تهميشا في الثقافة الإسلامية المعاصرة، والمعرَّضون للوصْم؟
إقرأ أيضًا: في ذكرى رحيل الإمام محمد عبده: الجزء الأول أين يقع الشيخ من محاولات التصنيف؟
بعد مرور قرن على صدور الكتاب، لماذا كتب الشيخ على عبدالرازق خريج الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي والقاضي بمحاكم مصر الشرعية كتاب الإسلام وأصول الحكم ولم يُكمل الثلاثين من العمر؟ ولماذا امتنع ابن العشرينات عن الكتابة بقية عمره؟ لماذا أخلف العهد الذي قطعه على نفسه في مقدمة كتابه: “الإسلام وأصول الحكم” بأن الكتاب مجرد تمهيد لعمل متواصل، وأبحاث ستتوالى؟!
هل سكت عبدالرازق أم أُسكتْ كما يقول حسين أحمد أمين:
“على عبد الرازق عاش بعد ذلك أكثر من أربعين سنة جديبة صامتة، وهو أمر كفيل وحده بأن يُنبهنا إلى مدى الخسارة، وقتل المواهب اللذين تحملهما، ولا يزال يتحملهما الفكر؛ بسبب إرهاب أناس، لا يُنتجون، ويسؤوهم أن يُنتج الناس، لا يُفكّرون، ولا يُطيقون أن يروا غيرهم يُفكّرون، قد أراحهم قفل باب الاجتهاد من مهمة إرهاق الذهن، فإن أرهق غيرهم ذهنه أرهقوه، وكرهوه، وحاربوه، وأسكتوه.. وأي وسيلة أنجح في سبيل الاسكات لدى شعب أمي من الاتهام بالكفر والمروق من الدين؟ وأي امرئ أسوأ حالا من عاقل يجرى عليه حكم جاهل”. ([1])
من هو الشيخ علي عبد الرازق؟
نشأ علي حسن أحمد محمد عبد الرازق في أسرة عريقة في العلم، والسياسة، والعمل الوطني، والقضاء الشرعي، الذي ظلّت أسرته تعمل به منذ أواخر دولة المماليك، في محافظة المنيا في جنوب مصر استقرت عائلته، وفي قرية “أبو جرج” وُلد الشيخ على عبدالرازق عام ١٣٠٧هـ – ١٨٨٨م، الابن الرابع بين تسعة إخوة، سبعة أبناء وبنتين، والِدُه “حسن أحمد محمد عبد الرازق” مِنْ مؤسسي حزب الأمة ٢٠ سبتمبر ١٩٠٧م، وعمُّه “محمود باشا عبد الرازق”، مؤسس جمعية حلوان مع الإمام محمد عبده التي كان لها دور كبير في نشر التعليم والثقافة في مصر، وأخوه الشيخ مصطفى عبد الرازق وزير الأوقاف في ستّ حكومات متوالية، ثم شيخ الأزهر حتى وافته المنية.
استقرّ الشيخ على عبد الرازق في مدينة القاهرة بحي عابدين في منزل آل عبد الرازق الذي وصفه الكاتب أحمد أمين بأنه: “كان منزلا يحتفظ بالتقاليد القديمة لبيوت الأسرة الكبيرة، يكثر زوارها وتمدّ موائدها غداء وعشاء، وكان أصدقاء الشيخ من الشباب ينفردون بحجرة في البيت يتلاقى فيها بشبان الحقوق ببعض الشبان الذين يتعلمون في أوروبا، فتثار المسائل للنقاش.. القصر مأوى للغريب والمحتاج والموائد حافلة ليل نهار بالضيفان من كل فجّ.. كانوا قدوة في البرّ بالنّاس والتّرفق بأهل قريتهم يُعينون المحتاج، ويُعلمون الفقير، ويُشجعون على العلم… وإذا سافر أبناء قرية أبو جرج للدراسة في القاهرة فإنّه يُكتب في خانة ولي الأمر “بيت عبد الرازق” إشارة إلى قصر آل عبد الرازق في القاهرة خلف قصر عابدين، يلتقي فيه يوم الجمعة أبناء أبو جُرج في القاهرة”، فأسرة الشيخ على عبد الرازق عُرفت بدور رائد في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية مما ترك آثارا واضحة في فكره وشخصيته ونزعاته السياسية.
أفكار علي عبد الرازق
تولّى الشيخ على عبد الرازق عمله بالقضاء الشرعي عام ١٩١٥م، فاندفع بحماسة البدايات يبحث في تاريخ القضاء الشرعي، والحكومة في الإسلام بمقتضى كون القضاء فرع منها، ولأن “أساس كل حكم في الإسلام هو الخلافة والإمامة العظمى، فكان لابدّ من بحثها“، عمل عبد الرازق على هذا البحث تسع سنوات قبل أن ينشره في كُتيب بعنوان “الإسلام وأصول الحكم” في السابع من رمضان سنة ١٣٤٣ه – أول أبريل سنة ١٩٢٥م ، ورغم السنوات التي قضاها في إعداد الكتاب، أكّد أنه ما زال في مراحل البحث الأولى، ووعد أن يستدرك في المستقبل ما يظهر في هذا البحث من نقص، فإن لم يتمكن فإنه يرجو أن يكون بحثه أساسا صالحا لغيره من الباحثين للبناء عليه..
دفَع عبد الرازق إلى التفكير، الذي نتفق أو نختلف حول نتائجه، إيمانُه بأنّ فقر مجتمعات المسلمة يكمن في فقر أفكارها، فلا يُقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء مادية فحسب، وإنّما بمقدار سلامة ودقة أفكار المجتمع: تلك المعتقدات والمسلمات والتصورات والمبادئ والنماذج التي تُسيطر على عقول أبناء المجتمع، فوجد عبد الرازق حامل عالمية الأزهر، وقاضي محكمة المنصورة الشرعية أنّه من الأفكار غير الجيدة التي أضرّت بالمسلمين
“إلصاق الخلافة بالمباحث الدينية حتى صارت جزءًا من عقائد التوحيد، يدرسها المسلم مع صفات الله تعالى وصفات رسله الكرام، ويُلقنها كما يلقن الشهادتين، فهذا من جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين، فأضلوهم عن الهدى وعمّوا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين أيضا استبدّوا بهم وأزلّوهم، وحرّموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم وضيقوا على عقولهم، وانتهى كل ذلك بموت قوى البحث، وتجمد نشاط الفكر بين المسلمين، حتى أصيبوا بالشلل في التفكير السياسي، والنظر في كل ما يتصل بشأن الخلافة والخلفاء… داعيًا المسلمين إلى أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له، واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجته العقول البشريّة، وأمْتنِ ما دلّت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم”.([2])
إقرأ أيضًا: الخلافة؛ نظام الحكم الشرعي والإلهي
وهذا ما أشعل حالة من الغضب، دفعت كثيرا من الرافضين إلى عدم الاكتفاء بمناقشة أفكاره بل النيل من شخصه فاتُّهم، ولا يزال يُتهم بأنّه ألّف الكتاب بوحي من المستعمر الإنجليزي أو أنّه أُلّف له، وأن الإنجليز طلبوا منه أن يضعه اسمه عليه، وهذا ما ينفيه نضالُه ونضالُ عائلته ضد المستعمر الإنجليزي منذ ثورة عرابي، كما تنفيه مذكرات أخيه وزير الأوقاف وشيخ الأزهر مصطفى عبد الرازق الذي توقف عن استكمال كتابة مذكراته عند أحداث سنة ١٩٢٢، أي ثلاث سنوات قبل أزمة الكتاب في أبريل ٢٠٢٥، ومما جاء فيها بتاريخ الأحد ١ نوفمبر ١٩٢١ أي قبل صدور كتاب أخيه بأربع سنوات، ما نصّه:
“قرأ لي أخي علي (الشيخ على عبدالرازق) مساء اليوم بعد عودته من المنصورة فصولا من البحث الذي يُدوّنه عن الحكومة الإسلامية تمهيدا لدرس تاريخ القضاء في الإسلام، فوجدت موضوعات جديدة تدلّ على حسن التفكير، وحسن الدرس، وتدلّ على الجدّ العميق رغم مشاغل منصبه كقاضي، وقد أحيا أخي الصغير في نفسي الحسرة على ما يضيع من عمري دون كتابة، وتأليف؛ لانشغالي بالأعمال الإدارية”.
كتاب الإسلام وأصول الحكم
أحْدَث َكتابُ الشيخ على عبد الرازق ضجة في الأوساط الدينية والسياسية؛ لصدوره بعد شهور من إلغاء الأتراك الخلافة العثمانية، ولم يكن هذا بالأمر الهيّن، فعموم المسلمين كانوا يرون حكم الأتراك تجسيدا للخلافة بوصفها أصلا من أصول الدين رغم الظلم الواقع منها، وحالة الضعف الشديدة التي ألمت بها، وفي وقت كان ملك مصر الملك فؤاد الأول في سعي دائب للحصول على لقب “خليفة المسلمين”؛ ليحتمي بجلال المنصب وقدسيته من النقد السياسي، وليتخلص من قيود الحياة الدستورية الناشئة في مصر.
كان عبد الرازق على وعي بطبيعة المعركة التي يخوضها، فليستْ معركة فكرية مع حماة الخلافة وحرّاس تديين فكرتها، بل معركة سياسية، فالسياسة في عالمنا العربي تتغذي على الديني وتتخذه وقودا لمعاركها.. لم يكن مصادفة في ظنّي أن يَنشر عبد الرازق بحثه الذي يعمل عليه منذ سنوات في هذا الوقت تحديدا! وملك مصر يترقب أن يُتوّج خليفة للمسلمين، ويُتابع عن قرب اكتمال التجهيزات لمؤتمر “الخلافة” الثاني بالقاهرة ١٩٢٥؛ فبعد إلغاء منصب الخليفة العثماني في تركيا ١٩٢٤، دعا الأزهر لانعقاد مؤتمر الخلافة الأول في ٢٥ مارس سنة ١٩٢٤، وأوصى المؤتمر بالدعوة لانعقاد مؤتمر ثانٍ في العام التالي؛ لواجب شرعي وهو اختيار خليفة جديد للمسلمين، ودعا الأزهر العلماء من مختلف بلاد المسلمين؛ لبيعة خليفة جديد مُرتقب، ورغم انعقاد المؤتمر الثاني في الموعد المقرر إلا أنه فشل في اختيار خليفة؛ لاختلاف الوفود المشاركة حول الإحياء والإلغاء للخلافة، وتعدد الطامعين في لقب خليفة المسلمين، في تلك الأجواء العاصفة خرج شيخ أزهري (على عبد الرازق) بكتابٍ يُضفي شرعية على مبدأ إلغاء الخلافة التي أعلنها مصطفى كمال في تركيا؛ فأطاح الكتاب بأحلام ملك مصر في أن يُصبح خليفة المسلمين، فنشْر عبدالرازق كتابه في هذا التوقيت كان تحديا واضحا للملك في سعيه لاكتساب حصانة الخليفة.
وهذا يُفسّر كراهية ملك مصر لعلى عبد الرازق إلى حد أن يُقيل الحكومة لتأخرها في عزله من منصبه، وتكريمه الشيخ الخضر حسين ومنحه الجنسية المصرية لموقفه المناوئ لعبدالرازق.. فقبل إلغاء أتاتورك لنظام الخلافة، وقبل أن يُصبح سلطانا لمصر في ٩ أكتوبر ١٩١٧، ثم أول ملك لمصر في العصر الحديث بعد صدور تصريح ٢٨ فبراير ١٩٣٢، وهو يتطلع لأن يرث الخلافة بعد الأتراك، فقد بات من الواضح تخلخل قبضة الحكومة العثمانية على زمام الأمور، وخاصة خلال السنة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى ١٩١٤- ١٩١٨ التي توالت خلالها هزائم الجيوش العثمانية، مما دفع الإنجليز إلى التفكير في البحث عن بديل، بعد انتهاء الحرب، للنظام الإقليمي السائد في منطقة الشرق الأوسط التي كانت الخلافة العثمانية حتى ذلك الوقت قطبه ومركزه”.([3])
فتحكي مذكرات شيخ الأزهر مصطفى عبد الرازق التي توقف عن إكمالها عند أحداث عام ١٩٢٢ أي قبل أن يأخذ التحرك حول موضوع الخلافة شكلا حاسما، وقبل صدور الكتاب عن أول لقاء جمعه بالأمير أحمد فؤاد بتاريخ الاثنين ١٦ إبريل ١٩١٥، فيقول: “لقينا الأمير بحفاوة وأخذ يُحدّثنا عن وجوه الإصلاح العلمي الذي تحتاجه البلاد حديثا طويلا، ويظهر أنّه ميّال إلى بعث نهضة علمية وبخاصة في الأدبيات وأنّه من أنصار تحرير المرأة… تكلم معنا أخو السلطان (أحمد فؤاد) ساعة بلسان عربي تشوب لهجته عُجمة، لا تكاد تخلو منها لهجة أمير من أمرائنا، وقد لا يكون علي الأمير فؤاد ميسورا في أول زيارة لأن الزائر مضطر بحكم التقاليد أن يتجنب المناقشات، ولأن المضيف يتحرّى أحاديث مختارة موضوعاتها. لكن الذي وقع في نفسي من أثر هذه الزيارة هو أنه رجل بسيط صريح فيه نشاط وعزيمة وإن كان ذا ذكاء متوسط إلا أنه يفهم على وجه صحيح كثيرا من حاجاتنا الاجتماعية“.
إقرأ أيضًا: مفهوم الخلافة في القرآن الكريم وسلطة المفسر
وبتاريخ السبت ١٧ فبراير ١٩١٧م كتب الشيخ مصطفى عبد الرازق في مذكراته: “رجاني الأمير فؤاد من مُدّة أن أعينه على جمع ملخص لما كان يدعي به للملوك والسلاطين في خطبة الجمعة في أدوار التاريخ الإسلامي، وقد بحثت الموضوع وجمعت خلاصة منه، وودت لو أني وفيت البحث بعد ذلك خدمة للتاريخ والعلم“. بعدها بأيام كتب الشيخ مصطفى عبد الرازق بتاريخ ٢٠ فبراير ١٩١٧ ما نصّه: “سلمت الأمير فؤاد ما جمعت من موضوع الدعاء للملوك في خطبة الجمعة وقد فهمت من حديثه معي أنه يأخذ أهبته بمثل هذا البحث للمفاوضة المنتظرة في أمر الخلافة وكأنه يأمل أن تنال مصر استقلالها فيكون واليها خليفة وأن إنجلترا سوف تُساعدها على الاستقلال فتصبح لها الخلافة ثم تنتفع (بريطانيا) باستقلالها وخلافتها.. قد لا يهمنا أمر الخلافة بالقدر الذي يهم الأمير، لكن استقلال مصر أمنية يهمنا أن نسلك إليها كل سبيل“.
وفي مذكرات الشيخ مصطفى عبد الرازق بتاريخ مايو ١٩٢١ يحكى الشيخ عن سياسات الملك لإحكام السيطرة على الأزهر، بقوله:
“زارني شيخ الجامع (الأزهر) الليلة فسألته عما يجري على الألسن من تغيير في بعض رجال المعاهد، وظهر لي أنّه يجهل حتى أنّ هناك شائعات في هذا المعنى، وأخذ يفضي إليّ بآلامه؛ لأن الأمور تصرف بهوى باشا (ناظر الخاصة الملكية) على يد إمام الملك ومدير المعاهد حتى أن مذكرات المسائل التي تعرض على المجلس الأعلى للأزهر لا تحرر إلا بإشراف رجال القصر وأذنابه.. واشتكى إلى الأستاذ الأكبر أن الملك دعا إليه مدير المعاهد لمقابلة لا يدري ما الذي دار فيها، إعلاناً عن عدم رضائه عن شيخ الأزهر.. هذا وشيـوخ الأزهر لا ينصرونه إلا لمزا بألسنتهم في المجالس”.
فعبدالرازق بحكم تكوينه ونشأته في أسرة سياسية امتلك حاسةً سياسية مكّنته من وصف المعركة باسمها الحقيقي “إننا أمام معركة سياسية مستمرة، منهجنا منذ أيام عباس هو منهجنا إلى اليوم لا تتأثر باعتبارات شخصية، نُريد سلامة الحكم من شرور الاستبداد ومفاسد الطغيان (في إشارة إلى خطورة أن يتدثر ملك مصر بعباءة الخلافة)، ولقد تعرضنا لغضب عباس (الخديوي عباس حلمي الثاني) يوم قمنا ندافع عن الأزهر الذي أراد أن يعبث بمصالحه، ويوجهها توجيها سياسيا لا خير فيه، ويوم سلط علينا وزراءه ومستخدميه يضربون الأزهريين بالسيـاط، ويتوعدون، ويهددون؛ وكان فؤاد أشد بأساً وأشد تنكيلاً من عباس، وقد سلط علينا وزرائه، وكثيراً من أشيـاعه فما منعنا ذلك من أن نرفع صوتنا بمعارضة أساليبه في الحكم، الموقف السياسي الذي سلكناه في عصرنا الحاضر هو بعينه الموقف السياسي الذي سلكه آباؤنا وأجدادنا من قبل في أيام إسماعيل، ومن قبله أيام محمد علي“. ([4])
معركة الشيخ على عبدالرازق مع القصر جولة من جولات الصراع بين مدرسة الإصلاح والتجديد والأسرة الحاكمة في مصر، ففي عهد الخديوي عباس حلمي الثاني حوصرت حركة الإصلاح والتجديد داخل الأزهر بحصار رائدها الشيخ محمد عبده، بعد أن انقلب عليه الخديوي، كذلك كان انقلاب الملك أحمد فؤاد على عائلة عبدالرازق الأصدقاء القدامى لأخيه السلطان حسين كامل سببا لنَبْذ الأسرة ومحاصرتها، فيقول على عبدالرازق: “كان الهجوم قويا لم يترك مُدبروه ثغرةً يُمكن مدافعتهم منها، بل أحكموه إحكاما، ونشطوا في إمداده بكل أنواع الحيلة ووسائل الرغبة والرهبة حتى خشي معارفنا أن يزورونا في البيت، وصاروا يحسبون الاقتراب منا أو من البيت عصيانا للملك وخروجا عليه.. وما كان المهيجون؛ ليفعلوا بعض الذي فعلوا، لولا أن الملك فؤاد أراد ذلك فأمرهم عن طريق حسن نشأت باشا ففعلوا.. وكذلك أراد الملك أن تتحرك العامة ضدّي فاندسّ بينهم من يُحرضهم على كتابة التلغرافات للجرائد، فظهرت المطالبات بمصادرة الكتاب ومحاكمتي”.
كان الشيخ على عبد الرازق على وعي بموقعه من الإمام محمد عبده، وموقف تلامذة الإمام منه، فقدّم نفسه وأخاه، بوصفهما امتدادا لمدرسة الأستاذ الإمام المنقسمة على نفسها رغم امتدادها، على حدّ قوله: “دعوة الأستاذ الإمام دعوة عامة ومدرستـه لا يحدّها مكان ولا زمان ولا أشخاص، ولكنها مدرسة تتلاقي فيها الأرواح جنودا مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”. ([5])
فتلامذة الإمام محمد عبده تناكروا، وتنافروا؛ حتى أنّه كفّر بعضهم بعضا، فثار الشيخ رشيد رضا صاحب كتاب “الخلافة والإمامة العظمى” على كتاب عبدالرازق، ووصف ما جاء فيه: “بالكفر والضلال وتحليل الحرام وتحريم الحلال، لإنكار كتاب “الإسلام وأصول الحكم” كون الخلافة من أصول الدين وواجب شرعي”.([6]) وكان الأفضل لتلامذة الإمام أن يتعاطوا مع كتاب “الخلافة والإمامة العظمى” ، وكتاب “الإسلام وأصول الحكم: بوصفهما اجتهاد مشروع، وفكر وتنظير يُكتفى بالردّ عليه باجتهاد وتنظير مثله، فمثل هذا هو الحراك الفكري الصحي الذي يأتي كمقدمة ضرورية للنهضة، شريطة أن تظلّ المواجهات فكرية دون تكفير، أو تخوين، أو تسفيه، يُسلّم أطرافها أنهم لا يقدّمون الدين بل فهمهم واجتهادهم، غير أن هذا لم يحدث مع كتاب الإسلام وأصول الحكم، فدعا الشيخ رشيد رضا إلى محاكمة عبدالرازق محاكمة دينية لإنكاره الخلافة كأصل من أصول الإسلام فعلى حدِّ تعبير الشيخ رشيد رضا “دولة الخلافة كمطلب إلهي وحده القادر على إصلاح أوضاع المسلمين على جميع المستويات، وعلى هدايتهم إلى الطريق المستقيم”، وحذّر من الدعوة إلى مدنية السلطة والحكومة، قائلا: “إن كتاب الشيخ على عبد الرازق جزء من حرب سياسية علمية شنها خصوم الإسلام وأن نتائجها أخطر من الحروب الصليبية، والتي من آثارها محو اسم السلطنة العثمانية الإسلامية وإلغاء منصب الخلافة، مما شجع أنصار مدنية السلطة والحكومة في مصر، فلا يجوز لمشيخة الأزهر أن تسكت عن تلك الأفكار، فالمؤلف رجل منهم، فيجب عليهم أن يحكموا بأحكام الإسلام على صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم”.
كيف لشخصٍ ما أو هيئة أن تتوحّد مع الإسلام فما تنطق به يكون هو مراد الله حصرا؟!
وجاء الحكم من هيئة كبار العلماء في الثاني عشر من أغسطس ١٩٢٥ الذي وصفه علي عبد الرازق في مذكراته محاكمته بتاريخ ١٦ ديسمبر ١٩٢٥وصفاً مختصراً يُظهر كيف أنّها كانت شكلية، بقوله: “ذهبت يوم ١٢ أغسطس أمام هيئة كبار العلماء، فتلا على شيخ الجامع الأزهر بيان التُّهم السبع وبعد مناقشة وجيزة بينت في أن هيئة كبار العلماء لا تملك محاكمتي أم لا.. تلوت عليهم مذكرة بالرد على التهم ثم انصرفت أنا، وأصدروا هم قرارهم يومئذ”.
أتى القرار بأن ما جاء في الكتاب عن عدم أصولية الخلافة وغيرها من الأفكار مخالف للشريعة الإسلامية، وأدانوا الكتاب، وقرّروا تجريد الشيخ من شهادة العالمية، وإخراجه من علماء الأزهر، مستندين إلى المادة “١٠١” من قانون الأزهر رقم “١٠” الذي أصدره الخديوي عباس حلمي الثاني سنة ١٩١١، وجاء نص الحكم “حكمنا نحن شيخ الجامع الأزهر بإجماع أربعة وعشرين معنا من هيئة كبار العلماء بإخراج الشيخ على عبد الرازق أحد علماء الأزهر والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الشرعية، مؤلف كتاب الإسلام وأصول الحكم من زمرة العلماء.. ويترتب على الحكم المذكور محو اسم المحكوم عليه من سجلات الجامع الأزهر، والمعاهد الأخرى، وطرده من كل وظيفة، وقطع مرتباته في أي جهة كانت، وعدم أهليته للقيام بأية وظيفة عمومية دينية كانت أو غير دينية”، الحكم الذي تراجعت عنه الهيئة في عهد الملك فاروق، بل أصبح وزيرا للأوقاف وعضو باللجنة الدينية وأستاذا بالجامعة.
لقي قرار “هيئة كبار العلماء” بفصْل المؤلف الأزهري الشاب الذي لم يكن قد بلغ الثلاثين من عمره قبول وعناية من القصر، وحزب الاتحاد المدعوم من القصر، بينما تسبب في إقالة بعض الوزراء، فقد طلب الملك فؤاد الأول من وزير الحقانية عبد العزيز فهمي أن يُصدر قرار فصل الشيخ على عبد الرازق من عمله في القضاء إلا أنّه رفض، وقال: “بأي حق في الكتاب أو في السنة أو في الدستور أو في القانون أصادر حرية الرأي وأعتدي على حرمة العلم وكرامة العلماء… استحضرت هذا الكتاب وقرأته فلم أجد فيه أدنى فكرة يُؤاخذ عليها مؤلفه”، وأصرّ الملك فؤاد على فصل الشيخ، وأصرّ وزير الحقانية عبد العزيز فهمي ورئيس حزب الأحرار الدستوريين على الرفض، فجاء أمر الملك فؤاد بأن يُقدّم الوزير استقالته، فردّ أنه لن يستقيل، وعلى الملك أن يقيله بمرسوم، وفي ذلك الوقت كان زيوار باشا رئيس الوزراء في رحلة علاج في الخارج تاركا تصريف الأمور ليحيى إبراهيم الذي استصدر مرسوما بإقالة عبد العزيز فهمي الذي تضامن معه عدد من الوزراء فقدموا استقالتهم، بعد استقالة الأحرار الدستوريين من الوزارة، وارتفاع الأصوات المدافعة عن حرية الفكر والتعبير كحق يكفله الدستور، تبدّل موقف الوفديين، فبعد أن شنّ زعيم الوفد سعد زغلول هجوما عنيفا على الكتاب، فُسّر بأنّه نابع من منافسة حزبية مع حزب الأحرار الدستوريين الذي يرتبط به الشيخ على عبد الرازق، عاد الوفد وتراجع عن موقفه، وظهر التغيّر بوضوح بداية عام ١٩٢٦ في مقالات أحمد حافظ عوض في جريدة كوكب الشرق الوفدية.
دعمتْ جريدةُ “السياسة” عبد الرازق، ورأت في أفكاره استكمالا وتفصيلا لما بدأه عبد الرحمن الكواكبي في كتابه: “طبائع الاستبداد”، والإمام محمد عبده في كتابه: “الإسلام والنصرانية” الذي انتهى فيه إلى “أنه ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير عن الشر”، وأنه “ليس في الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه” وأن “الجهاد” أهدافه سياسية وليست دينية..
وركّزت مجلة “المقتطف” على جرأة المفكر وأمثاله لإحياء نهضة الأمة، وأشادت بشجاعته في أن يخوض معركة إصلاحية لا تقل في أهميتها وصلابتها عن معارك محمد عبده في الشرق، أو معارك مارتين لوثر في الغرب، ووصفته مجلة الهلال في عدد يوليه ١٩٢٥ الكاتب بأنه من علماء الازهر البارزين الذين سلكوا طريق “الاجتهاد والاستنباط”، ووصفت كتابه بأنه: “فريد وخير أنموذج يُحتذى به في الاستدلال والاستشهاد والاستنتاج، وقدّمت خلاصة لأهم أفكار الكتاب، ورأت أن رؤية الشيخ تتفق مع أصول الحكم في القرن العشرين التي ترى السيادة للأمة، وأن كل بلد إسلامي له حرية انتخاب الحاكم”. وظلّت مجلة الهلال تشعر بالمسؤولية تجاه الكتاب، فأعادت طباعته عام ٢٠٠٠ بعد مرور خمسة وسبعين عاما على صدوره، وضُمّن الكتاب لأول مرة جانب من مذكرات الشيخ على عبد الرازق، لاسيما الملابسات والظروف التي أحاطت بكتاب “الإسلام وأصول الحكم”.
دخل عباس العقاد السجال الصحفي الدائر حول كتاب الإسلام وأصول الحكم، بمقالة نُشرت بتاريخ ٢٠ يوليو سنة ١٩٢٥ في جريدة البلاغ الوفدية بعنوان: دفاعا عن الشيخ المطرود من الأزهر، قال فيها: “الكتاب لم يكن سوى رأي لصاحبه في الخلافة يستند فيه إلي الأحاديث النبوية ومأثورات الصحابة وأقوال الفقهاء، وليس يعنينا هنا أخطأ في الاستناد والتخريج أو أصاب، وإنما يعنينا أنه صاحب رأي يباح له أن يُعلنه كما يباح لغيره أن يردّ عليه ويفنده، أما أن يتعرض للمحاكمة أو يتم إرغامه علي ترك رأيه؛ لأنه خالف بعض العلماء أو غير العلماء، فهذا ليس من روح الحرية التي تحمينا جميعا، وليس من روح الدين الذي يغارون عليه، ويشنون هذه الغارة باسمه. لا أعرف صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم إذا رأيناه في الطريق، وليس هو من شيعتنا في السياسة أو غير السياسة، فنحن لا ندافع عن شخصه، ولا عن مذهبه السياسي، حين نكتب هذه الكلمة، ولكننا نود أن يعلم الذين لا يعلمون أنه قد مضي الزمان الذي يتصدى فيه جماعة من الناس بأي صفة من الصفات لإكراه الأفكار على النزول عند رأيها واستمداد الحرية في البحث من فضلات ما تسخو به علي أنصارها والمتمسِّحين بها”.
لم يكن يتوقع العقاد أننا على موعد مع ما هو أصعب من ذلك بكثير، بانطلاق جماعة “الإخوان المسلمون” التي عصفت بأشكال العمل الإسلامي التقليدي متمثلة حينها في الأزهر والطرق الصوفية وأنصار السنة المحمدية، كما شلَّت مشروع إصلاح الفكر الديني الذي بدأ عند الشيخ رفاعة الطهطاوي مرورا بالشيخ محمد عبده، وأضعفت الحياة الحزبية المصرية التي شهدت وثبة بعد ثورة ١٩١٩م وإقرار دستور ١٩٢٣، وانزوتْ كلّ محاولات الإصلاح والتجديد أمام “تيار تديين الدولة” تقوده جماعة الإخوان المسلمين التي سيخرج منها عشرات الجماعات، مُستمدة زخمها من توحّدها مع دعوة الإسلام، وسعيها لاستعادة الأصل الديني الغائب – من منظورها – الخلافة الإسلامية، فرفعت شعار الإسلام دين ودولة ومصحف وسيف في وجه دعاة الدولة الوطنية، وربطت تأسيسها بإعلان سقوط الخلافة، للتأكيد على أن شرعيتها لا تسقط بقرار محكمة بحلِّها؛ لأن شرعيتها -من منظورها- واقعية لا تتلاشى إلا بتغيير الواقع وعودة الخلافة الإسلامية ممثلة المسلمين وصاحبة الشرعية الدينية. ومارست الجماعة وصاية على الإسلام المتآمر عليه من الغرب ووصاية على المسلمين البعيدين عن الإسلام الصحيح، ووصف البنا في رسالة المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين الإمام (الخليفة) الغائب بأنه “ظل الله في الأرض وواسطة العقد، ومجتمع الشَّمل، ومهوى الأفئدة والسبيل الوحيد لإحقاق الدين وسيادة الدنيا”، وأهدروا السياقات التاريخية المنتجة للخلافة، واختزلوا المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في قيام حلم الدولة الإسلامية، فهي الحل السحري لجميع مشاكل المسلمين والسبيل إلى نهضتهم، وتراجع دور العقل الإنساني، فأصبح الله هو المكلّف نيابة عن الإنسان في الإجابة عن كل أسئلة تمدين وتطوير الدولة بمقتضي شمولية وحي الله لكل تفاصيل الحياة، وتحولت فكرة الدولة الوطنية إلى مؤامرة من الغرب على الإسلام لتقسيم أرض المسلمين، ورأت فصائل الحركة الأصولية فيها مهددا قويا للإسلام في تأثر واضح منهم في العالم العربي بشعور الأقلية الإسلامية في الهند التي تجد الحماية في التمسك بهويتها الدينية في مواجهة أكثرية غير مسلمة، وكان لهذه الأيدلوجية الدينية أثرها في تعزيز النزعات الانفصالية باسم الدين، فبالإضافة إلى الاحتلال صاحب الدور الأبرز ساهم خطاب الدينيين أو الإسلامويين في توسيع الهُوَّة بين المسلمين وغير المسلمين داخل الوطن الواحد مما عجَّل بالانفصالات، وهكذا تنازعت الدعوات الدينية وتعددت ونجحت بشعاراتها في تهميش دعوات التمدن والتحوّل، مكتفية بالقشور، فأصبحنا دولا بقشرة ضعيفة تخفي تحتها جماعات وقبائل..
لم يقو الحِراك الإصلاحي على مدافعة التكتل الصخري الذي أعاق مجرى تيار التجديد المتدفق، تكتّل اسمه “جماعات امتلاك الحقيقة”/ “جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين” فأصيب التفكير النقدي بالضمور، وساد خطاب استعلائي انفعالي سرعان ما أخذ يسرى في المجتمع المصري زاعما أنه يمتلك حلول ناجزة، وليس على المصريين سوى السير خلف جماعة الإخوان المسلمون، التي شنّت في ثلاثينات القرن الماضي حملة ضد الشيخ على عبد الرازق، تزامنت مع خصومة سياسية جديدة بين حكومة إسماعيل صدقي والدكتور طه حسين.
وقد انتصر للشيخ علي عبد الرازق في تلك المرة الشيخ عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، فنشرت مجلة الشهاب في ربيع سنة ١٩٣٨ رسالة الشيخ ابن باديس إلى شيخ الأزهر ينصح فيها الجماعات الإسلامية بالابتعاد عن السياسة مؤكدا أن مفهوم الخلافة انسلخ عن معناه الأصليّ وبقي رمزا ظاهريا تقديسيّا ليس من أوضاع الإسلام في شيء… وأن الأتراك لم يلغوا الخلافة، بل ألغوا نظاما حكوميا خاصا بهم، وأزالوا رمزا خياليا فُتن به المسلمون لغير جدوى، وتمنى في نهاية رسالته أن يتوصل المسلمون ذات يوم إلى التخلّص من وهم الخلافة؛ لأن في ذلك خلاصا لهم من ماض ولّى، ولن يعود أبدا.
وتظلّ أكبر إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر أنه لا ينشغل بالفكرة قدر انشغاله بصاحبها، فبعد رحيل الشيخ على عبدالرازق كتب الدكتور محمد عمارة مقالات؛ ليُكفّن أفكار الشيخ عبدالرازق، التي لا تعدو -من منظور عمارة- عن كونها شكوكا مرّ بها المفكر، وليست أفكارا عاش يناضل من أجلها، وتُحفظ القضايا الفكرية المثارة على طريقة تحقيقات النيابة العامة عندما تُغلق التحقيق، وتقيّد القضية ضدّ مجهول، فما طرحه الدكتور طه حسين والشيخ على عبد الرازق تراجعا عنه، أو أنهما نفيا نسبة تلك الأفكار إليهما في حديث أسرّا به إلى صديق، وذاك الصديق حكى للدكتور محمد عمارة، ولم يكتف الدكتور محمد عمارة في حالة الشيخ على عبدالرازق بذلك، بل قال: “إنّ أبناء المرحوم الشيخ علي عبد الرازق أخبروه أن أباهم قد عدل أواخر حياته عن تصوره هذا، وتراجع عن دعواه هذه.. فرفض إعادة طبع كتابه، وهمَّ بكتابة نقد ذاتي للأفكار المحورية التي تضمنها كتابه، لكن الأجل وافاه قبل أن يُتمّه”. ([7])
وهذا ما نفاه ابنه السفير ممدوح عبد الرازق الذي قدّم لطبعة جديدة من كتاب الإسلام وأصول الحكم صدرت عن دار الهلال مايو 2000م، واصفا الكتاب “بأنّه من العلامات البارزة على طريق تطوّر الفكر العربي الإسلامي”، ويُكمل بقوله: “لا أعدّ نفسي في موقف الدفاع عن أحد، ولا المواجهة مع أحد، فلم تكن هناك في الحقيقة معركة أصلا بين على عبدالرازق وكتابه “الإسلام وأصول الحكم” وبين أحد إلّا الذين كان يهمهم لاعتبارات سياسية ودنيوية خالصة أن يدعموا عروشهم بسلطان الدين تحسبا لتداعيات حركة التحرر الوطني والتي كانت نُذرها قد بدأت وبدايات القرن العشرين، ولجأوا في سبيل ذلك، وبالتحديد من أيام الخديوي عباس حلمي الثاني إلى تشديد قبضتهم على الأزهر، وخنْق أية حركة للإصلاح والتجديد داخله مثل تلك التي قادها الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وأبناء مدرسته من بعده، ومن بينهم الشقيقان مصطفى وعلى عبدالرازق.. وقد كان المؤلف (على عبد الرازق) واعيا منذ صدور كتابه بهذه النوعية من القرّاء التي سوف يستشكل عليها فهم حقيقة أن هذا الكتاب المحدود في عدد صفحاته مثل السهم النافذ الموجه إلى هدف معين في توقيت معين… من آخر ما كتب الشيخ على عبد الرازق لي وأنا في اليابان بتاريخ 26 أغسطس 1962 “ما أظن أن في هذه الحياة الدنيا عروة أوثق ولا أبقى على طول الدهر من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، كما في القرآن الكريم بنص صريح، ثم من التشبث بمرجعية الدين والأدب والفضيلة الذي تلقتها البشرية منذ أقدم تاريخ عرفناه لها جيلاً عن جيل وأمة عن أمة وآباء عن أجداد”.
من الخطأ والخطر أن يُزيّف خطاب الصحوة وعي المسلمين بأفكار من قبيل أن طه حسين أو على عبد الرازق كانا ضدّ الإسلام ثم عادا وتابا قبل موتهما.. فيُحوّل الاجتهاد الفكري إلى ذنبٍ تاب منه، أو كفرٍ عاد عنه صاحبه إلى الإسلام، ويكتفي منظرو الجماعات الذين لن يرجعوا إلى كتابات طه حسين أو على عبد الرازق، بترديد بعض عبارات محمد عمارة الرّنانة، فقد حدّثه من يثق به نقلا عمن يثق به أنّ الشيخ على عبد الرازق قال له سرا: “إنَّ قوله: رسالة الإسلام رُوحانيَّة فقط لم تكُن رأيَه يوم نشَر الكتاب، وأنَّها عبارة ألْقاها الشيطان على لسانه”! وهنا مغالطة، تُعرف بمغالطة رجل القشّ، حيث يعطيك الكاتب انطباعا بدحض حجة الخصم، في حين أنّ ما تمّ دحضه هو حجة لم يقدمها الخصم، فمستخدم تلك المغالطة يهاجم رجلا من القش أو خيالًا من صنعه، فالشيخ على عبد الرازق قال مرات عديدة منها ما نشره بمجلة رسالة الإسلام عدد يوليو لسنة ١٩٥١ بعنوان “الاجتهاد في نظر الإسلام”، حيث قال: “زعم الطّاعنون أنّني في هذا البحث قد جعلت الشريعة الإسلامية شريعة روحانية محضة، ورتّبوا على ذلك ما طوعت لهم أنفسهم أن يفعلوا، أما أنا فلقد رددت عليهم أنني لم أقل ذلك مطلقا لا في هذا الكتاب ولا غيره، ولا قلت شيئا يشبه ذلك الرأي أو يُدَانيه”.
ويبقى السؤال لماذا كتب الشيخ على عبد الرازق؟ ولماذا سكت؟ يُجيب عن ذلك عبد الرازق بعد سنوات من أزمة الكتاب عندما التقى بالشيخ خليل تقي الدين مؤسس “عصبة العشْرة”([8]) بمقهى نوبار([9]) بالقاهرة، سأله الشيخ خليل تقي الدين بعد الضّجة التي أحدثها كتاب الإسلام وأصول الحكم “لماذا توقفت مدرسة التجديد في مصر عن عملها فقد كنّا لسنوات نقرأ لكم، ولطه حسين، ومحمد حسين هيكل، والعقاد مقالات تتناقلها الصحف، والمجلات، وتحملها إلى الشبيبة العربية الراغبة في الانعتاق من قيود الجمود؟ فلماذا سكتم اليوم؟
توقف الأستاذ على عبد الرازق عن احتساء القهوة، وحدّق فيَّ، وقال بصوت يغلبه الحزن والأسى: توحّد الخصوم المتفرّقون على مواجهة التجديد.. وفي المقابل: لم يكن بين القائمين على تجديد الفكر شيءٌ من التفاهم، ولا من التقارب، ولا من التعاون، بل إن كلا منهم اشتغل في الطريق التي رسمها لنفسه مستقلا تقريبا عن الباقين، وليس من نزاع في أن هذا التفرق هو الدي مكّن منهم خصومهم”.
سأله من خصوم التجديد؟ فأجاب: “الواقع أن مدرسة التجديد لقيت في مصر مقاومة من التجار في الدين، والتجار في السياسة، والبسطاء من العامة الذين ينخدعون باسم الدين، ويُؤخذون برهبة القوى السياسية”.
سأله الشيخ خليل تقي الدين: ما التجديد الذي تتكلم عنه، وتكتب في نصرته، وتحبّ أن تنتشر أفكاره هل يوجد له مفهوم جامع مانع؟ فأجاب: “صعب أن يحدد الانسان التجديد، ويُلمّ بمراميه كلّها، ويزيد الامر صعوبة أن الواحد منّا ينظر للتجديد بعين غير التي ينظر لها الآخر، فللسياسي نظرته، وللأديب نظرته، وللقانوني نظرته.. أغراض التجديد إزالة العقبات التي وقفت في سبيل النهضة الإسلامية أو العربية أو الشرقية ليتيسر بعد ذلك إقامة الحياة في الشرق على أسس العمران الحديث.. أما العقبات الدينية فأمرها ظاهر لأن المراد بها الأفكار الدينية الخاطئة التي انتشرت بين المسلمين -والإسلام براء منها- فصرفتهم عن البحث العلمي الحرّ، وجعلتهم يجدّون في كلّ نزعة أو فكرة جديدة أو بحث علمي حديث خروجا عن الدين وإنكارا لتعاليمه”.
رغم ذلك لم يكن عبد الرازق متشائما فتوقّع لحركة التجديد نجاحا باهرا، وأن تنتشر، وهذا ما يُمكن أن نُجيب نحن عنه اليوم بعد مضى قرابة مئة عام على كتاب الإسلام وأصول الحكم..
_________________________
المراجع:
([1]) حسين أحمد أمين، مقال الإسلام وأصول الحكم للشيخ على عبد الرازق مجلة الهلال، العدد (٥)، ١ مايو ١٩٩١م.
([2]) الإسلام وأصول الحكم، ص١٢.
([3]) الإسلام وأصول الحكم ومذكرات الشيخ على عبد الرازق، 1 أغسطس 2000، مجلة الهلال العدد رقم 8.
([4]) الإسلام وأصول الحكم ومذكرات الشيخ على عبد الرازق، ص١٦، القاهرة، طبعة دار الهلال ٢٠٠٠م.
([5]) مقدمة كتاب على عبد الرازق، من آثار مصطفى عبد الرازق.
([6]) مجلة المنار العدد ٣، ٢١ يوليو ١٩٢٥.
([7]) الدكتور محمد عمارة مقال معركة الإسلام وأصول الحكم، مجلة الدوحة العدد ٦، ١ يونيو ١٩٨٦.
([8])”عصبة العشرة” رابطة أدبية تأسست في بيروت سنة ١٩٣٠، وضمّت عدداً من الكتاب والأدباء اللبنانيين، وكان من أبرز مؤسسيها: ميشال أبو شهلا (الرئيس)، إلياس أبو شبكة (الرسم)، الشيخ خليل تقي الدين، والشيخ فؤاد حبيش.
([9]) مقهى تاريخي شهير بالقاهرة، كان ملتقى للفنانين مثل عبده الحامولي، والأدباء، والسياسيين، يُوجد مكان مقهى نوبار مقهى المالية حاليا.
اقتباسات
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.