
إشكالية استدعاء التراث بين التديين والضمور: قراءة في مشروع نصر حامد الفكري…الجزء الأول
كيف حدث التوحد بين تراث علماء المسلمين والدين (الوحي المقدَّس)
إذا كانت علاقةُ الحاضر بالماضي والمستقبل من الهموم الفلسفية في الفكر الإنساني المعاصر عامة، فإنها تُمَثِّلُ همًّا مضاعفا في واقعنا العربي بصفة خاصة في ظل إشكاليتي علاقتنا بالآخر، ونظرتنا المقدِّسة للتراث. فقراءة التراثِ في ضوء مشكلاتِ الواقع الراهن إحدى أهم الإشكاليات المَاثلة في أفق همومنا الثقافية والفكرية لأمد زمني يصعب التكهن بوصوله إلى محطة معرفية هادئة خالية من صخب النزاع الإيديولوجي، والصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المحتدم؛ لذا تبدأ القراءة الواعية للتراث من التعرُّف على إشكاليات القراءات السابقة والمعاصرة للتراث، والتي يُمكن إجمالُ أهمِّها -من منظور نصر- في إشكاليتي: تديين التراث، وضموره.
فالسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا إذا ذُكِرَ “التراثُ” يتبادر إلى الذهن “الدين”؟ كيف حدث التوحد بين تراث علماء المسلمين والدين (الوحي المقدَّس)؟ كيف ارتفعت مرتبة النصوص الثانوية غيرِ المقدسةِ للعلماء عن الدين إلى مرتبة النصوص الأولية المقدسة المؤسِّسَةِ للدين؟
الإجابةُ عن هذه الأسئلةِ تكشف إحدى إشكاليات علاقتنا المعرفية بالتراث، فالتوحيد بين “الدين” و”التراث” أدَّى إلى إضفاء قداسة على التُراث حوَّلته من مرتبة النصوص الثانوية إلى مرتبة النصوص الأولية، واقتصرت مُهمة العقل على التكرار والشرح والترديد مما أدَّى إلى حالة من ركود الفكر وضعف الثقافة، وزاد الطين بِلَّةً، ركود الواقع العربي اجتماعيًا وسياسيًا وفكريًا.
بداية إنَّ أيَّ قراءةٍ من داخل اللغة لمفاهيم التراث والدين لتكون مقدمةً ضرورية، لتحديد العلاقة بينهما ستكشف أنَّه لا علاقةَ بينهما على مستوى لغة العرب أو مستوى لغة القرآن الكريم، ونميِّزُ هنا بين لغة القرآن ولغة العرب، رغم أنه نزل بلسان عربي مبين؛ لأن لغةَ القرآن الكريم صَكَّت مدلولاتٍ لُغويةً دينية خاصة بها تُضاف إلى مدلولات الألفاظ في لغة العرب، فأتى الدال “الدين” -في لغة العرب قبل الوحي- بمعنى “طريقة الحياة”.
فالشاعرُ الجاهلي “المثقب العبدي” يقول على لسان ناقته المُتبرمة من رحيله الدائم.
تقول وقد درأت لها وضيني.. أهذا دينه أبدًا وديني
أكلُّ الدهر حِلٌّ وارتحالٌ.. أما يبقى على ولا يقيني
وأتى الدال “الدين” في التداول القرآني بمعنى “الشريعة” بصفة عامة، سواء كانت تلك الشريعة وضعية أم كانت مُنزَّلة من السماء؛ لذا وَصف القرآن الكريم ما كان عليه الملِك الذي كان يوسف -عليه السلام- يعمل له بـ “دين الملِك” [سورة يوسف، الآية ٧٦]، وبمثل هذا المعنى، كان ردُّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على الكافرين قائلًا: “لكم دينكم ولي دين” [سورة الكافرون الآية ٦] فظلَّت كلمةُ “الدينِ” في كل المعاني والدلالات، بعيدةً عن الإشارة إلى تراث الماضي بأي معنى من المعاني.
من الملاحظ أنَّ “نَصْرًا” عندما انتقل إلى تقديم مفهوم التراث من داخل اللغة، والقرآن الكريم استبعد الجذر اللغوي “ورث”؛ لأنه لا يُشير في التداول القرآني واللغة العربية إلا إلى ما يتركه الشخص الميت من مال فيورث عنه، وبهذا الدلالة وردت الصيغة اللغوية “التراث” في الآية ١٩ من سورة الفجر، “وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا“.
ويرى أن المادةَ اللُّغوية التي تُحيل إلى مفهومِ التراث في لغة العرب والقرآن الكريم هي المشتقُ “سنة – سنن“، ففي لغة العرب سُنَّ الشيء -بالبناء للمجهول- بمعنى تغيَّرت رائحته، أو صُبَّ في قالب، وفي التداول القرآني جاءت حاملةً لمدلولين وَفْق القيد، فإن قلنا: سُنة الله فهي بمعنى القوانين الإلهية العامة الثابتة في الكون والطبيعة من جهة، والإنسان والمجتمع من جهة أخرى. وإذا قلنا سُنة الذين خلوا من قبل فهي المفاهيمُ والقيمُ والمعتقدات والتقاليد والمحددات للسلوك والأعراف التي كانوا عليها، فالسنة بهذا المفهوم هي التراثُ. تأسيسًا على ما سبق، تكون التفرقة واضحة في التداول القرآني والاستعمال العربي بين الدين بمعنى “طريقة الحياة” أو “الشريعة” وبين التراث بمعنى سُنن السابقين علينا.
وظلت تلك التفرقة واضحة في فهم المسلمين الأوائل -جيل الصحابة- الذي ربط طاعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، الواجبة إلهيًّا فيما يبلغه الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الوحي فقط؛ لذلك تكرر سؤالهم عن قول أو فعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، هل هو الوحيُ أم الرأيُ والمشورة؟ أهو أمرٌ من الله أم شيءٌ يصنعه لهم؟ وكثيرًا ما كانوا يطرحون اجتهادات أخرى، وكثيرًا ما كان يُطلب منهم بقوله: “أشيروا علي“، فأسَّس الرسول والمسلمون الأوائل لمبدأ مهم، يكاد يُهدره الخطاب الديني إهدارًا تامًا في ثقافتنا الراهنة، وهو “أنتم أدرى –أو أعلم– بشؤون دنياكم”.
بعد جيلٍ الصحابة والتابعين في أواخر القرن الثاني الهجري تحوَّلت المُسلمة التي تفرِّقُ بين وجود شخصيتين للرسول بمقتضى صفتَيه “بشرًا نبيًّا” – يَصدر في أقواله وأفعاله عن الوحي المقدس تارة، وعن الرأي البشري تارة أخرى -إلى نقطة خلافٍ بين الفقهاء من “أهل الرأي”/المدرسة العقلانية و”أهل الحديث“/المدرسة الإخبارية، فتمسَّك أهل الرأي بأنَّ السنة نوعان: “سنة الوحي“، و”سنة العادات” الأولى هي أقوالُهُ وأفعالُهُ الشارحة والمُبينة لما وردَ مُجملًا في تعاليم القرآن. وما سوى ذلك من الأقوال والأفعال يجب أن يُدرج في سياق الوجود الاجتماعي والزمني له -صلى الله عليه وسلم- وهذا ما رفضته “المدرسة الإخبارية”، وأصرَّوا على التوحيد بين سُنة الوحي والعادات.
وحُسمت السيادة الفكرية والعقلية لصالح المدرسة الإخبارية، فقد وُسع مفهومُ السنة؛ ليشمل الأقوال كلّها، والأفعال كلّها، بالإضافة إلى الموافقات (الصريحة أو الضمنية) على أنماط السلوك والممارسات الحياتية في عصر النبوة، فنقلَ “بدر الدين الزركشي” في كتابه “البرهان” عن “الشافعي” قوله:
“كلُّ ما قالته الأمة راجع إلى السنة، وكل ما في السنة راجع إلى الكتاب العزيز، وكل ما في الكتاب العزيز راجع إلى أسماء الله الحسنى”.
ومَثَّلَ التوسعُ في قبول الأثر والثقة في مطلق الروايات نقطةَ البداية لإشكالية التوحيد بين الدين والتراث، ومما عمَّقَ تلك الإشكاليةِ أنَّها جاءت في بداية عصر التدوين أي عصر بداية وضع قوانين التزويد والاستدعاء منْ وإلى ذاكرة الأمة -أي الثقافة- فالمعركةُ كانت أوسع وأكبر من الخلافات الفقهية أو خلافات علم الكلام؛ لأنَّها كانتْ معركةُ صراعٍ على صياغة قوانين تشغيل الذاكرة الجمعية للأمة وصياغة الآليات التي على أساسها تُنتج المعرفةُ. فقد صارت القواعدُ المعرفية التي صِيغت في تلك اللحظة التاريخية هي القوانينُ المُهيمنة والمُسيطرة، فحُسمت معركة التأسيس الفكري في التراث لصالح سلطة التمسك الظاهري بالنصوص في مواجهة تياراتٍ أخرى حاولت التأسيس لسلطة العقل دون أن يُغفل فاعليةُ التراث أو يتجاهلها، إنِّهما في الحقيقة موقفان من التراث، يلوذ أولهما إلى التراث مُحتميًا به من تقلبات الزمن وحركة التاريخ؛ لأنها حركةٌ في اتجاه الأسوأ دائمًا -خير القرون قرني- فالماضي هو الذي يَصوغ الحاضرُ دائمًا، ويهتم الثاني الذي يستند إلى العقل بقدرةِ الحاضر الدائمة على صياغة القوانين التي تلائمه، والتي لا تُهدر خبرة الماضي بقدر ما تستوعبها استيعابًا مُثمِرًا خلَّاقًا.
وإذا كان التدوينُ قد نشط أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث الهجري فإنه سرعان ما بدأ عصر التقليد في منتصف القرن الرابع الهجري تقريبًا، ولم ينجُ من هذا المصيرِ مدرسةُ الرأي “الفقه الحنفي” ذاتها بعد أن عَدُلَ تلميذَا أبي حنيفة -أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني- عن عقلانية شيخهم، وذلك بحكم ارتباطهما بالسلطة العباسية التي رفض أستاذهما رفضًا قاطعًا التعاون معها أو مع النظام الأموي.
وفي عصر التقليد صارت أقوالُ الأئمة واجتهاداتهم هي “النصوصُ”، بمعنى أنها صارت مجالَ الشرحِ والتفسير والاستنباط والتعليل أي مجالَ توليد النصوص، واقتصرت المؤلفات على شروح لمتون الكتب في الحواشي، وما يُقال عن الفقه يُمكن أن يُقال مثله على العلوم العربية كُلها: النحو والبلاغة وعلوم القرآن والحديث والتفسير. ولم تَسْلم كُتب علم الكلام المتأخرة رغم كونها علومًا عقليةً من المصير نفسه. ([1])
ومع الدخول في العصر الحديث أوائل القرن التاسع لم يتغيَّر الواقعُ الفكري كثيرًا، فكان لحالة الجمود والتقليد السائد في المجتمعات المسلمة بالإضافة إلى التحدي الذي مارسه الخطاب الأوروبي على العقل العربي والإسلامي من تحميل الإسلام مسؤولية التخلف الذي مكَّنَ الاستعمار من احتلال مُجمل بلدان العالم الإسلامي أن تُكوِّنَ خطابًا دفاعيًّا يردُّ التخلف إلى البُعد عن نهج الإسلام وطريقة السلف، ويُنادي بالعودة إلى الدين وسُنة السلف الصالح حتى يعود للأمة مجدها الغابر. وهو ما أطلق عليه نصر تيار التراث هو الحلُ، أو الإسلامُ هو الحلُ،([2]) فالتمييز بين “الإسلام” و”التراث” عند هؤلاء على المستوى العملي شاحبٌ جدًّا، فأدمجوا التراث في هيكل “المقدس”، وإن اعترف هذا التيار على المستوى النظري أن ثمة فارقًا بين “التراث” الذي يُمَثِّلُ إنجازَ عقلِ الإنسان الاجتماعي التاريخي في محاولته الدائبة لتنزيل معاني الوحي على أرض الواقع والتاريخ، وبين “الدين” في نصوصه الأصلية الأساسية التي أكَّد الإمام “علي بن أبي طالب” أنها “لا تنطقُ بذاتها، وإنما يَنطقُ بها الرجال” إلا أن المنتمين إلى هذا التيار -بمختلف توجهاتهم وتعدد مرجعياتهم- يتعاملون مع “التراث” بوصفه إنجازًا مُقدسًا لا يجب المساسُ به إلا بالتوقير والتعظيم والإجلال، فهذا هو المنحى التقليدي المألوف في دراساتهم التي تتناول التراث، وإن ادَّعوا التمييزَ بين الدين والتراث في الخطاب السجالي، إلا أن الشواهد تؤكِّد أن “التراثَ” وليس الدينَ، أو بالأحرى “التراثَ” الذي صار هو “الدينُ” قد أُدمج في هيكل “المقدس”، ليكون مُصوِّغًا للاستعلاء بالتراث، وتقديمه على الحاضر، فرُفض نقدُ تراث الإمام “الشافعي” من “نصر”، ومن قبله رُفض مناقشةُ السياقات التاريخية والسياسية التراثية التي أسَّست لأصولية الخلافة التي طرحها كتاب “علي عبد الرازق” “الإسلام وأصول الحكم” الصادر سنة ١٩٢5 إلى غير ذلك من الشواهد.
يُتبع
المصادر:
([1]) يُنظر: النص السلطة الحقيقة، ص٢٢:١٣.
([2]) الخطاب والتأويل، ص١٧٩.
اقتباسات
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.