
الحاجة إلى تجديد علم الكلام الجزء الثاني
بحر عميق، غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، وكل حزب بما لديهم فرحون
علم الكلام الجديد لا يشغله مَن ستكون الفرقة الناجية، فحديث الفرقة الناجية ([1]) من النصوص التي أُسّس بها لمذهبيات علم الكلام القديم حيث يزعم كل مذهب أنّه الحق، أنّ ما عداه باطل، يرى العالم بنظرة ضيقة محدودة، ويحصر الناس بين طريقين مذهبه طريق الرحمن ومذاهب غيره حيث يكمن الشيطان، يُردّد أجوبة جاهزة، وهو في حالة تصنيف واتهام حاد مستمر لمن ولما حوله.. فالفِرق بتعبير الشيخ أبي حامد الغزالي (1111م-1058م):
“بحر عميق، غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، وكل حزب بما لديهم فرحون”. ([2])
وهي جماعات اليوم التي أرهقت العقل الجمعي، وأضرّت بالمجتمعات، فجميع جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين أو ما يُمكن وصفها بالحركات الأصولية الانفصالية من
- الجهاد الإسلامي
- والإخوان المسلمين
- والجماعة الإسلامية
- وتنظيم القاعدة
- وجبهة النصرة
- وفتح الشام
- والمرابطون
- وأنصار الإسلام
تلك الأسماء وغيرها هي لافتات تُرفع للفرقة الناجية التي يُلزمها النّص الشرعي – من منظورها – باستعادة دولة الخلافة باعتبارها صورة شرعية دينية ثابتة، وليست صورة أنتجها واقع تاريخي، ويرون كلّ صراع هو صراع ديني لمحو الإسلام متجاهلين سياقات الواقع التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
فجماعات هدم الحاضر بُغية تطهيره بعودة متوهمة للماضي لا يصدورن من مغالطة تاريخية وفقهية فحسب بل من تصورات لاهوتية/ كلامية/ اعتقادية مغلوطة، فتتوجه إلى موسوعة الأحاديث والأخبار المسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتختار حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ لتدّعي كلّ جماعة أنها تلك الجماعة الناجية، وغيرها في النار، فيروى عوف بن مالك أن رَسُول اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –
قال افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَافْتَرَقَتْ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ قَالَ الْجَمَاعَةُ”.
فبين عشرات الفرق والجماعات من أمة الرسول – صلى الله عليه وسلم – لن تنجو إلا جماعة، هكذا تقول القراءات الحرفية، فلم يستوقفها أننا أمام نصّ لغوي يغيب عنّا سياقه الخارجي الذي قيل في، ولا طبيعة الحوار الذي جاء فيه، وأن اللفظ هنا لتابعي أو لصحابي يروى معنى عن الرسول صلى الله عليه وسلم مما يجعل الدلالة احتمالية، كما أنّ ثبوته احتمالي، فسعْيُ كلّ جماعة أن تكون المتحدثة حصرا باسم الله، وأن تكون المعادل لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وسلفه دفعها للتمسك الحرفي بالحديث بهدف الحصول على تأسيس وسند شرعي يمحنها تفوقا على غيرها.
وأن كانت النظرة الأولى للحديث نفهم منها أن المسلمين جماعات وليسوا جماعة، وكأنهم يستدلون بهذا الحديث على وجوب تفتيت المسلمين وضرورة انقسامهم، بل تناحرهم كما نرى من فصائل الحركة الأصولية، فكل منها يُقدم نفسه بوصفه الجماعة/الفرقة الناجية التي أخبر بها الحديث، وأن غيرها من الجماعات المسلمة في النار، فظاهر الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم يُريد أن يخبرنا أن المسلمين سيكونون جماعات جميعها في النار إلا جماعة واحدة، وهذا يتناقض مع أخبار نبوية أخرى تجعل غير المشرك في الجنة، منها ما رواه الشيخان:
“من لقي الله لا يشرك به شيئا حرّم الله عليه النار”.
وحتى ندفع التناقض ونزيل الانقسام والصراع اللامتناهي الذي يحمله ظاهر الحديث نحتاج إلى تأويلات بعضه قد يبدو متكلفا، من قبيل قول الشيخ رمضان البويطي وردّده كثير من الوعّاظ، “إن النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – قال افترقت اليهود والنصارى ولو كان يريد الحديث عن تفرّق المسلمين لقالها صريحة “سيفترق المسلمون”، لكنه لم يقل هذا، بل قال “ستفترق أمتي” والأمة تحتمل معنيان في لغة النبي – صلى الله عليه وسلم- أمة الدعوة، وأمة الاستجابة، والمراد بأمة الدعوة جميع الناس منذ عصر الرسول إلى قيام الساعة، فأمّة الدعوة الذين أرسل النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – لدعوتهم أما من استجاب لدعوة الرسول فآمن ببعثته فهم أمة الاستجابة “المسلمون” فالمراد أن الناس “أمة الدعوة” ستنقسم إلى ثلاث وسبعين فرقة أي ديانة مختلفة، والدليل أن الخبر نقل عن النبي قوله: “كلها في النار إلا ملة واحدة”، ولم يقل إلا فرقة واحدة، فتلك الملة ملة الإسلام بكل فئاتها ومذاهبها وأقوامها”.
فالأخبار المرويّة عن النبي – صلى الله عليه وسلم- لا تنطق لكن ينطق بفهمها الرجال، ويظلّ صراع التأويلات بين تأويل يدعو إلى الوحدة والتعايش وتأويل يدعو إلى الفرقة والتقاتل.. تأويل يتمسك برحمة الله وتأويل يبحث عن نقمة الله.
لم يشغل حديث الفرقة الناجية الجماعات بل الخطابات الدينية الرسمية للدول من الشرق إلى الغرب التي تعيش في سجال مستمر مع خطاب الجماعات، فكلّ يزعم أنه الفرقة الناجية، ولا يتوقف عن بناء أسوار حولها وتحديد من يدخلها ومن يخرج منها، فعلى مستوى الخطابات الدينية الرسمية تحدث صراعات بين الحين والآخر بين أشاعرة متصوفة وحنابلة منكرة للتصوف، كلّ منهم يدّعى أنّ مذهبه في الاعتقاد هو مذهب الفرقة النّاجية، وأن فرقته دون غيرها هم أهل السنة والجماعة، على سبيل المثال في 25 أغسطس 2016 انعقد مؤتمر الشيشان أو مؤتمر جروزني تحت عنوان “من هم أهل السنة والجماعة” بحضور شيخ الأزهر وجمع من المفتين أكثر من مئتي عالم من علماء المسلمين من أنحاء العالم، تحت رعاية الرئيس الشيشاني رمضان أحمد قديروف، وبعد ثلاثة أيام من الانعقاد جاء في توصيات المؤتمر أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية وأهل التصوف على طريقة سيد الطائفة الإمام الجنيد، مخرجا السلفية من الفرقة الناجية/ أهل السنة والجماعة([3])
وفي المقابل انعقد مؤتمر “المفهوم لصحيح لأهل السنة والجماعة” في الكويت في 12 نوفمبر 2016؛ ليعيد السلفيين إلى أهل السنة والجماعة، مؤكدا في بيانه الختامي: “أن لأهل السنة ألقاب بينها أهل الحديث وأهل الأثر والفرقة الناجية والطائفة المنصورة والأمة الوسط وأهل الحق والسلفيون“، ولم يكتف البيان بجعْل السلفية المعاصرة مكونا من مكونات أهل السنة والجماعة بل جعلهم “هم أهل السنة والجماعة، وما عداهم من الفرق ممن خالفهم فرق ذمها رسول الله في حديث الفرفة الناجية، ليأتي بعدها تعقيب شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بأنه غير مسؤول عن بيان المؤتمر الختامي الذي استثنى السلفية من قائمة المشمولين بصفة “أهل السنة والجماعة”، وأن الأزهر يُسأل فقط عن الكلمة التي ألقاها شيخ الأزهر حسبما نقل موقع التلفزيون المصري الرسمي عن الطيب في حديثه الأسبوعي الذي يُذاع يوم الجمعة.([4])
وقد استوقف شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود (1910-1978) خطورة التسليم للقراءة الحرفية لحديث الفرقة الناجية، ورأى أنّها من أسباب الافتراق والتنازع، فقال عنه: “هذا الحديث رُوي على اختلاف في متنه، في عدة كتب، بعدة أسانيد، ولكنه لم يروَ في صحيح البخاري، ولا في صحيح مسلم؛ وقد قال ابن حزم عنه: “إنّه لا يصحّ أصلًا من جهة الإسناد“، وقال ابن الوزير في العواصم والقواصم: “إياك أن تغتر بزيادة: كلها في النار إلا واحدة؛ فإنها زيادة فاسدة، ولا يبعد أن تكون من دسيس الملاحدة. على أنه قد روي هذا الحديث بالعبارة الآتية: “وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في الجنة، وواحدة في النار.” وقال المقدسي في “أحسن التقاسيم”: “إنّ الحديث على هذا الوضع أصحّ إسنادًا”، ومع ذلك، فقد أخذ مؤرخو الأديان أمثال (الشهرستاني) يعدون الفرق التي في النار، ويتكلفون الوصول بها إلى (اثنتين وسبعين فرقة)، مع أن تشعب الفرق واختلاف المذاهب والآراء لا ينتهي حتى تقوم الساعة”. ([5])
لاهوت الفرقة الناجية يُعمي أعين أتباع كل مذهب عن رؤية المنجز المعرفي لدى أتباع المذهب الآخر، فالمعتزلة والفلاسفة والزيدية وغيرهم ليسوا الأمة الوسط ولا الفرقة الناجية، فلا يسمح لاهوت الفرقة الناجية بحالة من التعددية من شأنها أن تصنع حالة من التسامح والتعايش، وتساعد في تُطوّر التصورات، وتلاقح الأفكار، وإعادة نظر أصحاب كل مذهب في آراء أئمة مذهبه.
علم الكلام الجديد/ في نظرية المعرفة الدينية الجديدة تَضِيقُ مساحات الإجابات الجاهزة/ المسلمات في مقابل مساحات كبيرة؛ لإعادة التفكير، وإثارة الأسئلة ،واستفزاز العقل، علم الكلام الجديد يُمثل ثقافة السؤال الحرّ في مواجهة الثقافة الساخرة من السؤال، المُسفهة لنتاج الباحثين، والمحقّرة لجهود الفلاسفة والمفكرين قديما وحديثا.
يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
([1]) الحديث: “افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النّصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسيعين فرقة كلّها في النار إلا واحدة”. رواه أصحاب السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجه.
([2]) المنقذ من الضلال، القاهرة. مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٥٥، ص٨٢
([3]) يُنظر: توصيات مؤتمر أهل السنة والجماعة المنعقد في الشيشان، اليوم السابع. 28 أغسطس 2016،
ننشر توصيات مؤتمر أهل السنة والجماعة المنعقد فى الشيشان – اليوم السابع
([4]) يُنظر: توصيات مؤتمر أهل السنة والجماعة المنعقد في الكويت، CNNبالعربية. 13 نوفمبر 2016.
مؤتمر بالكويت ردا على غروزني: السلف هم السنّة.. ولا للثورات – CNN Arabic
([5]) عبد الحليم محمود، في منطق التصوف، ص٨٣.
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.