
الحاجة إلى تجديد علم الكلام الجزء السابع
علم الكلام الجديد ناتج حركة التفاعل العميقة جدا والخصبة بين الماضي والحاضر بين الحداثة والتراث
يصدر منهج اللاهوت المدرسي الرسمي، والميتافيزيقا في الفلسفة اليونانية في عمومهما عن ذات الخلفية الأنطولوجية البعدَ الإنساني/الاجتماع/الذات/السياقات الزمكانية إذْ يظنّ العقل التقليدي الحرفي أنّ التدين يستحوذ عليه كلّية المطلق، ويتجاهل حضور الإنسان ككائن اجتماعي في التجربة الإيمانية، له حضور بالحدس والتفكير والتبليغ والممارسة، وهذا التّجاهل يُغيّب الإنسان لصالح المعاني المجردة التي تتجاوز الإنسان، ولا تقف إشكالية هذين المنهجين عند حدود قصورهما في دراسة المباحث الدّينية، بل يظهر أثرهما السلبي في الانتقاص من التجربة الروحية، فأمسى علم الكلام القديم عاجزا عن النهوض بالإيمان، غير قادر على تعزيز الجانب الروحي والأخلاقي في حياة المؤمن، وعلى خلاف علم الكلام القديم يُركّز علم كلام الجديد على التجربة الروحية، ولا يتجاهل أصولية الجوانب الأخلاقية، فيُعلي من الجمال ويفتح المجال أمام الفكر. يبتعد عن الجدل الكلامي المذهبي الذي كلما اتّسعت مساحاته كلّما ضعفت التجربة الروحية.
ينطلق علم الكلام الجديد من مقاربات حديثة تبدأ من سؤال مُحدد لطرح الفروض؛ لاختبارها، فيتجاوز علم الكلام الجديد البنية التقليدية لسؤال البرهنة الذي يختزل الدين في كونه مبحثا عقليا تجريديا، يمكننا حسمه بأدوات الجدل النظرية تلك البنية التي يتشارك فيها علم الكلام القديم مع الفلسفة اليونانية، فكلا الطرحين يعود إلى بنية الذهنية الانطولوجية القديمة.
فعلم الكلام الجديد ناتج حركة التفاعل العميقة جدا والخصبة بين الماضي والحاضر بين الحداثة والتراث، نتاج حركة فكرية دائبة لا تهدأ بين قراءة في مناهج علمية حديثة تربط بين علم الاجتماع الإنساني وتطور العقل البشري من جانب، والقراءة في موروثنا الفكري والثقافي من جانب آخر، والناتج عن تلك القراءات في مجموعها ليس منهجا، بل سؤال دائم متواصل.
ينتهي علم الكلام الجديد بالدراسات العقائدية إلى موضع أبعد ما يكون عن الموضع الذي بدأت منه، فالعقل كلّما تعرّف على ثقافات متنوعة، اتّسع أفقه، وازدادت ثقته بنفسه كجزء من عالم متعدد الأفكار والثقافات، وأصبح مرناً لا يتوقف عن مراجعة أفكاره ومواقفه باستمرار، متقبلا للتغيير والتجديد الذي لا يأتي فجأة بل يحتاج إلى قراءات وتأملات، “فتحوّلات الروح لا تُولد بل تتكوّن“.
فالفكرة لا تُنتج دون استيعاب الأفكار التي سبقتها، فعلينا أن نستوعب ما ينتجه العالم فكريًا ونحلله جيدا لنبني منه موقفا معرفيا، فهذا هو الضمانة لتحقيق استقلال فكري أبعد ما يكون عن شعارات الاستقلال والخصوصية بينما نحن في الواقع في حالة استلاب ثقافي..
فبالإضافة إلى ضرورة إلمام باحثيه مبكرا بالعلوم التراثية والفلسفية، سنجد علم الكلام الجديد يُوسّع ويُنوّع مفهوم القراءة فيه تبعاً لتنوع العلوم التطبيقية التي يعتمد عليها، فيستفيد من المقاربة الأنثروبولوجية التي تعتمد على الاجتماع كمعيار اختباري للتمييز بين الدين والتّدين كمقاربة جديدة للمسألة الدينية تختلف في منهجيتها عن الوضعانية الاجتماعية وعلم الكلام القديم.. فالمسألة الدينية في جوهرها مركّبة تعتمد على ثنائيات: نقول عنها ثنائية الإلهي والبشري، الموضوعي (إشارة إلى الله) والذاتي (إشارة إلى الإنسان)، اليقيني والظنّي، والثابت والمتغيّر، والواحد والمتعدد، والدين والمعرفة الدينة، والإسلام والفكر الإسلامي، الدين والتدين، وهي ثنائية ليس سببها الباحثين في المسألة الدينية، وإنما سببها طبيعة بنية الديانات التوحيدية.
ففي محاولة لتفكيك تلك البنية المركبة من اللاهوت والناسوت/ من المطلق والنسبي تأتي أهمية تنويع المقاربات من زوايا متعددة لتعميق نظرتنا للظاهرة الدينية بين مقاربة أنثروبولوجيا تتبع علاقة الإنسان بالدين عبر العصور المختلفة، ومقاربة تجريبية اجتماعية تتبع الممارسات الزمكانية التدينية، فمن مجموع تلك المقاربات تَكشف الظاهرةُ عن نفسها، وليس معنى هذا أن نُهمل المقاربة الفلسفية، فالمسألة الدينية إذا تعاطينا معها كفكرة مجردة لا يُمكن معالجتها خارج الفلسفة، إذ لا مجال لها إلا داخل الذات الفردية فهي التي تقرر الإيمان، ذاك الإيمان الذي لا يعدو عن كونه فعلا إنسانيا ذاتيا، فالإيمان هو الأداة الوحيدة التي تحسم وجود الوحي..
ففي نظرية المعرفة الدينية الجديدة/ علم الكلام الجديد يُمكننا “فتْح الباب للأسئلة التي تم كبْتها سياسيا أو اجتماعيا أو دينيا. ومن ذلك على سبيل المثال: ما طبيعة الخطاب الإلهي، وعلاقته باللغة؟ وما هي علاقته بالنصوص أو الخطابات الإلهية السابقة كلها؟ ما موقع “الأحاديث القدسية” من القرآن الكريم والحديث؟ فالتفكير بذاته ليس جريمة، ونشر الاجتهاد الذي هو ثمرة التفكير واجب يُمليه ضمير الباحث ومسؤوليته إزاء دينه ومجتمعه.
وهو في ذلك يصدر عن إيمان عميق إذ لا صحة لما روّجه الخطاب الديني الحرفي قديما وحديثا من أن العقلانية قديما وعلم الكلام الجديد حديثا يُنكران الثوابت/ الأصول الإيمانية في العقائد والعبادات، فهذا أبعد ما يكون عن الواقع، فالعقلانيون قديما والباحثون في علم الكلام الجديد يُقرّون بأنّه لا يتحقق الإيمان دون تسليم بالثوابت وتمسّك بالأصول الدينية المتمثلة في الإيمان بالله وملائكته ورُسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، لكنها تتدخل تدخلا مشروعا في الفهم والشرح والتأويل للأصول، فاختلف المسلمون اختلافا مشروعا حول فهْم الثوابت منذ القرن الأول للإسلام، ففي مجال العقيدة اختلفت اجتهادات علماء المسلمين حول فهم حقيقة “الإيمان”، على سبيل المثال، بين قائل بأنّ الإيمان يقتضي العمل (العبادات) وقائل بأنه يقتصر على إيمان القلب، والأكبر من ذلك اختلاف اجتهادات المسلمين حول “الذات الإلهية” و”صفات الذات الإلهية” بين مَنْ يُوحّد بينهما وبين من يفصل بينهما، كذلك اختلفوا حول طبيعة القرآن الكريم بين قائلين بقدمه الأزلي قبل أن يُوجد الكون والإنسان وبين قائلين بأنّه مخلوق محدّث حتى لا يتعدد القدماء، كل تلك الاختلافات وغيرها ليست اختلافا في أصول الدين لكنها اختلافات حتمية الوقوع حول فهْم تلك الأصول، وكما اختلفوا حول طبيعة القرآن الكريم اختلفوا في تفسيره وتأويله بين متمسك بالمعنى الحرفي وبين متأوّل ينطلق من قواعد اللغة والبلاغة.
لم يُنكروا الثوابت ولا الأصول الدينية فقد آمنوا بالله والتوحيد والقرآن المنزل من عند الله عزّ وجلّ لكنهم اختلفوا حول تفسيرها وتأويلها، فعلم الكلام تأويل أو تفسير المجتهد لفهم وبناء تصور حول الغيبيات، ففي علم الكلام/ العقيدة يُوجد الإنسان المجتهد، فتتوسط الذات والفهم في استيعاب حقائق الوحي، وهذا ما يجعل علم الكلام يطغى عليه الجانبان الذاتي والتاريخي/الزمني. على حدّ قول شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود
“لا نشكّ في إيمان رؤساء الفرق الإسلامية معتزلة، أو أشاعرة، أو شيعة أو سلفيين، فقد تشبعوا بإيمان راسخ وحرارة دينية وعقيدة لا تُزعزها الأعاصير، وقد اعتمدوا على نصوص واحدة: كتاب الله وحديث رسوله. فلمَ كان الاختلاف؟ ولمَ التشعب الذي لا ينتهي؟ لأنّها آراء الذاتية، آراء هي من صنع البشر إنّ علم الكلام هو آراء واجتهادات حول النصوص المقدسة/الوحي”. ([1])
ومن النماذج المبكرة التي أنتجت معرفة دينية جديدة مغايرة: الإمام أبو حنيفة النعمان (٨٠-١٥٠هـ/ ٦٩٩-٧٦٧م) تاجر صناعته الفكر، ومفكر عمل بالتجارة، تابعي عايش عددا من الصحابة، وصاحب فلسفة وفكر عقائدي/ كلامي لا يقلّ في أهميته عن اجتهاداته الفقهية، فنتاجه يقوم على ثلاثة مبادئ: “التسامح، التيسير، الحرّية“، “تسامح بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتيسير بين المخلوق والخالق، ثم حرّية في الآراء والأشياء لا يحدّها إلا العقل والعدل وعمارة الدنيا، “لئن كان أفلاطون قد علّق على باب مدرسته “لا يدخل علينا من ليس له عقل هندسي“، فإن أبا حنيفة طالما قال: “اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له“.
فليست الحياة حرمانا وليست الآخرة جحيما، وإنما الدين يسر في الدنيا، “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر“، وأملٌ في الآخرة “لا تيأسوا من روح الله“، “لا تقنطوا من روح الله“، بهذا تكون الحياة جديرة بأن نحياها، والآخرة حقيقة بأن نرجوها..
في وقت كان الخوارج حول الكوفة والبصرة، وفي كلّ مكان يُرددون أنّه لا إيمان لمن لم يعمل ما أمر الله به، فترك الصلاة كفر، وعدم الصيام كفر، والزنا كفر.. رأى أبو حنيفة أنه مادام الدين لله والغفران مأمولا منه، ففيم يقول الناس بتكفير الناس، الإيمان عنده لا يزيد ولا ينقص فكل مؤمن ككلّ مؤمن بلا تفاوت، أمّا عند غيره من أئمة الفقه فيقوم الإيمان على التصديق والعمل ويزيد وينقص تبعا للعمل، ويكون التفاوت بين الناس في الإيمان وعلى هذا قالوا بكفر تارك الصلاة.. فالإيمان عند أبي حنيفة تصديق وإقرار، وحساب الناس عن الأعمال مرجأ إلى يوم الحساب، وعلى ذلك قال مقولته الجامعة:
“أهل القبلة كلهم مؤمنون، ولا يُخرجهم من الإيمان ترك شيء من الفرائض.. وجميع ما أمر الله به من فرائضه في جنب الإقرار بهذه الشهادة والتصديق بها أصغر من البيضة في جنب السماوات والأرض”. ولا كبيرة مع الاستغفار.
دخل عليه طائفة من الخوارج يوما بالمسجد شاهرين السيوف قائلين: يا أبا حنيفة نسألك عن مسألتين فإن أجبت نجوت وإلا قتلناك. قال: أغمدوا سيوفكم فإن برؤيتها ينشغل قلبي، قالوا وكيف نُغمدها ونحن نحتسب الأجر عند الله الجزيل بإغمادها في رقبتك!
قال: سلوا إذن.
قالوا: جنازتان بالباب إحداهما رجل شرب الخمر، فمات سكران، والأخرى امرأة حملت من الزّنا فماتت في ولادتها قبل التوبة. أهما مؤمنان أم كافران؟ فسألهم من أي فرقة كانا. من اليهود؟ قالوا: لا.. قال: من المجوس؟ قالوا: لا.. قال ممن كانا؟ قالوا: من المسلمين. قال: قد أجبتم.
قال جماعة الخوارج هما في الجنة أم في النار؟
قال: أقول فيهما ما قال الخليل عليه السلام فيمن هو شرّ منهما “فمن تبعني فإنّه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم” وأقول كما قال عيسى عليه السلام “إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم” فنكّسوا رؤوسهم وانصرفوا..” ([2])
فتحقق الإيمان عند الإمام أبي حنيفة مرتبط بما في قلب الإنسان ذلك الجانب الخفي الذي لا يُمكن الكشف عمّا فيه، فكما يقول النبي الكريم غاضبا مستنكرا: “أفلا شققت عن قلبه“! فليس إثبات الإيمان ونفيه ميدان علم الكلام الجديد وإنما الفكر والتصورات والرؤى التي نبنيها عن الله الرحمن الرحيم والإنسان والعالم.
يُتبع
([1]) يُنظر: د. عبد الحليم محمود، مقدمة في منطق التصوف مهّد بها لتحقيق كتاب المنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالي، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية، القاهرة، ١٩٥٥، ص ١٧.
([2]) عبد الحليم الجندي، أبو حنيفة بطل الحرية والتسامح في الإسلام، المطابع الأميرية، القاهرة، 1390ه- 1970م، ص٨٦.
اقتباسات
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.