
الحاجة إلى تجديد علم الكلام الجزء السادس
يرى علم الكلام الجديد مناهج اللاهوت المدرسي الرسمي قاصرة عن تقديم جوابات شافية
ينطلق علم الكلام الجديد من خارج الدراسات التقليدية التي ما تزال مباحث علم الكلام القديم أسيرة لها، والمتمثلة في منهج اللاهوت المدرسي الرسمي الذي يصدر في عمومه عن ذات الخلفية الأنطولوجية التي تصدر عنها الميتافيزيقا ذاتها في الفلسفة اليونانية، فكلاهما يتشارك في القول بوجود مفارق للذات، والعالم، وإن كانت الفلسفة اليونانية لم تُطلق عليه اسم الله.
فلا يدخل علم الكلام القديم إلى قضايا العقيدة إلا عبر هذين البابين، وتعود هيمنة المنطق الأرسطي علي علم الكلام إلى الأشاعرة المتأخرين، “فتمّ التّعامل معه كمسلمات أساسية في البحث الكلامي، واستندوا إليه في بناء المقالة الكلامية، وركّزوا عليه، وعلى أشكاله كقوالب أساسية في الاستدلال على المسائل والآراء. وأدّى ذلك إلى اعتبار تلك المقدمات المنطقية، وتخريجاتها الكلامية بمثابة البديهيات التي لا محيد عنها، فبالإضافة إلى كون كثير من تلك المقالات لم تعد تُلبّى حاجات الإنسان المسلم المتجددة المتغيرة فإنّ المنطق الأرسطي نفسه قد أصبح اليوم موضع نظر وسؤال جدوى“.([1])
فيرى علم الكلام الجديد مناهج اللاهوت المدرسي الرسمي قاصرة عن تقديم جوابات شافية؛ بسبب محدودية الآليات العقلية (اليونانية) التي تشتغل بها، وليس هذا قول الباحثين في علم الكلام الجديد فحسب، بل سبق إليه بعض أعلام المدرسة العرفانية، فيرى شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود أنّ الإشكالية أعمق من محدودية الأدوات، فوصف الإمام عبد الحليم محمود علم الكلام التقليدي بالعبث والضلال، في قوله: “علم الكلام -آراء من صنع البشر- ليس بدعة فحسب، وإنما هو ضلالة، وهو عبث، وهو انحراف عن سبيل السواء“. ([2])
فمذهب المعتزلة، من منظور الشيخ عبدالحليم محمود، على ما فيه من روعة، ودقة، وجمال، ووعي، وما أدّاه من خدمات جليلة في ميدان المنطق الديني إلا أنّه لا يقوم على أساس معقول مهما أشاد المعتزلة بالعقل، ومهما رفعوا من شأنه؛ لأن ميدان ما وراء الطبيعة/ الغيب، من البديهي أن يتخبط فيه العقل تخبطا لا نهاية له؛ فينتقد شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود العقل الجدلي المنطقي الذي هو أساس مذهب المعتزلة، ومذهب العقليين عموما من أشعرية وماتريدية، إذ تُعتبر التحولات التي طرأت على القول العقدي وتحوله من اعتزال إلى أشعرية إلى ماتريدية نوعا من إعادة القراءة والإنتاج والتوفيق لمذهب العقليين، فهم – من منظوره – يزعمون أن العقل بالمفهوم الفلسفي الأرسطي له مقاييسه، وله موازينه التي لا يتطرق إليها الخلل، وأن المنطق القديم منه والحديث آلة تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير، وأن الاستقراء والقياس أداتان للفصل بين الهدى والضلال، والصواب والأصوب، والغي والرشاد، فهما وسيلة العقل المنطقي عند العقليين من علماء الكلام/ العقيدة الذي لا غبار عليها للوصول إلى الحقيقة، هذا ما يُفنّده الدكتور عبدالحليم محمود، ويرى أننا إذا أخضعنا ذلك القول للنظر الفاحص؛ لتزلزل، وانهار.
فالمعتزلة أنفسهم، والعقليون عامة من أشاعرة وماتريدية قد اختلفوا فرقا وأحزابا لا تُحصى، ولم يحسم الاستقراء والقياس الخلاف بينهما، فكلّ فرقةٍ وصل الاستقراء والقياس لديها إلى نتائج مخالفة عن غيرها من الفرق الكلامية، “ففكرة أن المنطق يعصم الذهن عن الخطأ في التفكير، أو المنطق وسيلة للفكر الصحيح فكرة خرافية، أكثر منها حقيقية، فالاستقراء والقياس اللذان يعتمد عليهما المنطق في تحقيق اليقين عاجزان عن ذلك“([3])
إذ أنّ قضايا الاستقراء كلها مبنية على الحسّ الذي لا يخرج عن نطاق المادة، فهي بذلك بعيدة كلّ البعد عن عالم الغيب، فلا يدخل في دائرة اختصاصها، كما أنّ نتائج الاستقراء ظنية لا تعرف اليقين، فهو عاجز عن أن يخترق الحجب؛ ليصلَ إلى ما وراء الطبيعة، فالاستقراء نوعان: تام يُعرّفه المناطقة بأنّه لا فائدة منه؛ لأنّه لا يمكن تحققه، واستقراء ناقص وهو المهم في نظرهم إلا أنّه ظنّي على حدّ قولهم؛ لأنّه عُرضة للتغيير، فقولنا: “كلّ معدن يتمدد بالحرارة“. كقضية من قضايا الاستقراء العامة الشاملة، ظنية غير مؤكدة؛ لأن المعادن بأكملها لم تُكتشف بعد، ومن الجائز أن تُكتشف معادن لا تتمدد بالحرارة، إنّها إذن قضية مؤقتة، ظنية، تتبرأ من اليقين الفلسفي، فالعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة في مسألة من مسائله.
وليس القياس بمنفصل عن الاستقراء، فكل قياس مبني على قضية كلّية استقرائية، وما دامت قضايا الاستقراء ظنية وميدانها المحسوسات، فنتائج القياس ظنية كذلك، وميدانها المحسوسات.
أضف إلى ذلك أنّ المناطقة يشترطون في مقدمات القياس، أن تكون مسألة صادقة في نفسها، وأحيانًا يشترطون أن يُسلِّم بها المتجادلون فحسب، وقد تكون مقدمات القياس المذكورة -كما يقول صاحب البصائر النظرية- كاذبة في نفسها، فيكون القياس صحيحًا في نفسه، رغم أن نتيجته باطلة، وإذا كان الأمر كذلك، فما فائدة القياس؟ وما قيمته إذا كان لا يُعوّل فيه إلا على أن تكون المقدمات مستوفية لشروط الإنتاج بحيث تستلزم النتيجة، وإنْ لم تطابق النتيجة الواقع! ما قيمته إذا كان لا يهتم بصدق النتيجة أو كذبها!
على سبيل المثال: إنّك إذا قلت: الكثير من العلم يُؤدي إلى الاستقلال الفردي، وكل ما يؤدي إلى الاستقلال الفردي مُضرّ بالمجتمع، فالكثير من العلم مُضرّ بالمجتمع. كان هذا قياسًا صحيحًا في نظر المناطقة.
وإذا قلت: الكثير من العلم، يؤدي إلى التماسك الاجتماعي، وكلّ ما يؤدي إلى التماسك الاجتماعي مفيد للمجتمع، فالكثير من العلم مفيد للمجتمع. كان هذا أيضًا قياسًا صحيحًا عند المناطقة، ومع ذلك فالنتيجتان متعارضتان.
ويُؤكّد شيخ الأزهر الشيخ عبد الحليم محمود فساد الاستدلال بالقياس من جانبين:
- كونه استدلالا دوريا/ دائريا، وذلك أن العلم بالنتيجة في نحو قولنا: محمد إنسان، وكل إنسان ناطق، فمحمد ناطق. متوقف على العلم بالقضية الكبري، والعلم بالقضية الكبري متوقف على العلم بالنتيجة؛ لأنّك لا تستطيع أن تحكم بالنطق على جميع أفراد النوع الإنساني، إلا إذا ما تأكدت من ثبوت النطق لمحمد. ولو كنت في شك من ذلك، لما استطعت تعميم الحكم بالنطق على جميع أفراد الإنسان. فتكون القضية الكبري متوقفة على النتيجة، والنتيجة متوقفة على الكبري، وعلى ذلك يكون القياس استدلالا دوريًا فاسدًا، فلا يعول عليه.
- والجانب الثاني: مخالفة القياس لما ينبغي أن يكون عليه الاستدلال من كون فكرة الاستدلال قائمة على الوصول إلى نتيجة -كانت مجهولة قبل القياس- من مقدمات معلومة، فالواقع خلاف ذلك إذ أنّ النتيجة مُتَضمَّنة في المقدمات، فليست مجهولة، وبهذا القياس لا يُؤدي إلى معرفة جديدة، ولا يقودنا إلى استنتاج مجهول من معلوم، إنّه -إذا أردْت الدقة- استنتاج معلوم من معلوم، فموازين العقل الجدلي المنطقي في الوصول إلى الله لا جدوى منها، ولا تحمل إضافة. ([4])
فنحن أمام قصور منهجي ليس لدى الحرفيين من المتكلمين بل لدى العقلانيين منهم، فالمعتزلة ومن بعدهم الأشاعرة والماتريدية يُمثّلون أقصى درجات توظيف العقل الجدلي في البحث عن الله والغيب/ ما وراء الطبيعة، لاسيما “الأشاعرة في طورهم الثالث الذين ترسموا خطى المعتزلة في سيادة العقل في الدلالة على أصول العقيدة، بل أوغلوا في الطريق العقلي أكثر من المعتزلة؛ لأنهم بنوا النّص على عدم المعارض العقلي“. ([5]) فمنهج المتكلمين العقلانيين من برهان وجدل واقع كلية في دائرة الجدل بالمفهوم الأرسطي، الذي لا يختلف في مفهومه عن الجدل عند “جان فال” الذي عرّفه بأنه “بحث العقل فيما وراء الطبيعة”.
وإذا كان الأمر كذلك، “فليس من حقّ أي طائفة من طوائف المتكلمين أن تدعي أن ما تصل إليه من طريق المنهج العقلي هو العقيدة التي يجب على المسلمين اعتناقها، وليس من حقها أن تُشهر سلاح التكفير في وجه الطوائف التي تُخالفها؛ اعتمادا على ذلك المنهج. كما أنّه ليس من حق العقل البشري أن يرفض أصلا من أصول الدين ما دامت في حيز الإمكان الذهني، فإنّ الرسل لم تأت بمحالات العقول، وإنما أتت بمحاراتها“. ([6])
أخيرا، لا بديل عن علم كلام جديد إذ لا يُمكن أن نبني في الحاضر، ونستشرف المستقبل دون إعادة بناء معرفة دينية جديدة، نتجاوز فيها العقل الجدلي والحالة الحرفية المسيطرة على العقل الجمعي، المتوسعة في صناعة المقدس على نحو أضرّ بالدين المقدس، نتجاوز فيها الحرف إلى المعنى، والمعنى إلى معنى المعنى وفق أدوات علمية، بما يخلق رؤية متوازنة لعلاقة الدين بالاجتماع، والمطلق بالنسبي، والإنسان بالله عزّ وجلّ، والطريق إلى ذلك محفوف بالمخاطر، فالباحث في علم الكلام يُدرك عواقب البحث في الفكر الديني في مجتمع لا يتعامل مع الفكر الديني بوصفه منتجا إنسانيا يخضع للبحث والنقد والتطوير، وإنما بوصفه دينا، فالمغالطة الأخطر في ثقافتنا “الخلط بين الدين المقدس والفكر الديني غير المقدس”؛ فقد ذهبت تأكيدات شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود “أنّ علم الكلام محض آراء ذاتية” في مهبّ الريح، وما زال العقل الجمعي متجمدا لم يخط في مسار التجديد خطوات واسعة..
يُتبع
([1]) عزيز أبو شرع، الهرمنوطيقا وعلم الكلام الجديد محاولة في تجديد الخطاب الكلامي الإسلامي، مجلة الأزمنة الحديثة، المغرب، العدد (٤) ١ أكتوبر ٢٠١١م،
([2]) مقدمة المنقذ من الضلال، ص18.
([3]) مقدمة المنقذ من الضلال، ص13.
([4]) يُنظر: السابق: ص19:10.
([5]) عماد خفاجي. مناهج التفكير في العقيدة بين النصيين والعقليين، مجلس حكماء المسلمين، الطبعة الثانية، 1445ه-2024م، ج٣، ص٣٧٢
([6]) السابق، ج٣، ص٣٧6
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.