
الحاجة إلى تجديد علم كلام/ الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) الدينية
بحر عميق، غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، وكل حزب بما لديهم فرحون
لا يمكن أن نخرجَ من هوّة السقوط الحضاري، والتّردي الفكري التي نعيشها إلا إذا اعترفنا بداية بأنّ هناك مشكلة ممتدة عبر تاريخنا تتجاوز الألف عام، تتمثل في أننا نجعل فكرنا حول الدين دينا نقاتلُ من أجله، فما حاول المسلمون شرحه من مفاهيم الدين الإسلامي وما قدّموا من ردود حول الشبهات والانتقادات، تحوّلتْ من اجتهادات وآراء ومذاهب حول أصول الدين إلى دين مقدّس عند أصحاب كلّ مذهب، ينظرون إلى ما عداه بوصفه انحرافا وضلالا، على حدّ قول أبى الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ه):
“اختلف الناس بعد نبيهم، صلى الله عليه وسلم، في أشياء كثيرة، ضلل فيها بعضهم بعضاً، وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقاً متباينين، وأحزاباً متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم”.([1])
فانقسم المسلمون في القرن الخامس الهجري كما وصف إمام الحرمين الجويني إلى”
- شيعة يدعون الناس لإمام اضّطر للاختفاء وإليه يرجع العلم، ومنه تلتمس المعرفة
- ومعتزلة يرفضون التقليد، ويمجدون العقل ويرفعونه مكانًا عليًا
- ورافضة يعملون على قلب النظام، وجعل الناس في أمر مريج؛ ليصلوا وسط هذه الفوضى إلى الحكم والسلطان
- وفلاسفة غاية وكدهم بث فلسفات لم تكن تهيأت لها العقول بعد كما يجب
- وحنابلة يتشددون في علوم في الدين، ويثورن لهذا على السلطة القائمة حينا وعلى المتكلمين حينا آخر
- وبجانب كل هؤلاء جميعا نجد الأشاعرة من المتكملين الذين يرون أنهم وحدهم أهل السنة، والقوام على دين الله وتأييده، والدعاة للعقائد الدينية الحقّة، والباذلون أقصى الجهد في الاستدلال لها وتمكينها من القلوب والعقول…
وكان يحدث أحيانا غير قليلة فتن دامية وجماع أسباب هذه الفتن هو العصبية في غير حقّ، وعجز الدولة عن الهيمنة على الأمر، ثم نصرة بعض الخلفاء أو الأمراء لهذا المذهب أو ذاك على مخالفه”.
ولا يختلف الحاضرُ كثيرا عن الماضي في انقساماته المذهبية، وفي جمود أفكاره، فبعد أن تحوّلَ كلام الأشاعرة أو الحنابلة أو غيرهما من المذاهب إلى عقائد رسمية مدرسية مُلزمة، صار الكلام في العقيدة جامدا، فعلم الكلام/ علم اللاهوت/ الفكر العقدي/ الأبستمولوجيا (نظرية المعرفة) الدينية كل هذه المترادفات تُشيرُ إلى واقع معرفي يُمثّل إحدى الأعباء الثقيلة التي يعيشها المسلمون نتيجة سلوكهم مسلك التقليد، وتخليهم عن التأويل والتجديد، وهذا ما يجعل تجديد اللاهوت/ العقيدة/ الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) الدينية/ أو ما يُمكن أن نُطلق عليه علم كلام جديد ضرورة وأمر حتمي يسبق، ويُصاحب أي إصلاح اجتماعي واقتصادي وسياسي، فنمط التدين السائد له أثره في تقويض أو بناء الدولة الوطنية الحديثة، فمن شأنه أن يمنح مشروعية لأصولها الدستورية ومؤسساتها وقوانينها، ويعزز مساراتها التنموية أو يُضعفها ويعرقلها..
ويحمل الاجتهاد والتجديد في علم الكلام معنيين:
“إزالة طوارئ الانحرافات والبدع الفكرية عن الأصول؛ لتعود لها حقائقها وفعاليتها.. ومعناه في أحيان أخرى الاستفادة من منجزات العقل الإنساني في العلم، وفي الفلسفة؛ لإقامة البراهين العقلية الجديدة على صدق هذه الأصول”.([2])
فالتجديد ليس تبديدا، وإن تجاوز التنقيح والدفاع إلى تجديد يُناقش الطريقة التي تُعرض بها قضايا العقيدة، والاستدلال لها، تجديد يدعو إلى إعادة النظر في اللغة التي كُتب بها علم الكلام الذي يُشكّل جوهر اللاهوت الإسلامي؛ لتُصبح لغة حيّة نابضة.. تجديد لا يدعو إلى قطيعة مع التراث الذي كُتب حول علم كلام/ الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) الدينية، لكن يُعيد قراءته بوصفه معرفة يُمكن مناقشتها والاختلاف معها وإعادة النظر فيها، فيقرأ ما أنتجه القدماء في ضوء معطيات العلوم الاجتماعية، واللغوية الحديثة، فدوره لا يقف عند شرح متن، أو إجمال مُطوّل، دون أن يُسائل الآليات التي أنتجت التراث، تجديد يخرجنا من دوائر الجدل المذهبي في قضايا لم تُنتج عملا ولم تُغيّر سلوكا، تجديد يُضيف قضايا وأبوابا جديدة إلى علم الكلام، فلا يكتفي بمعالجة جزئية، ولا ردّ فعل آني لبعض مشكلات واقعنا المتأثرة بفكرنا الديني.
وأول ظهور لمصطلح “علم الكلام الجديد” في الدراسات الإسلامية يعود إلى كتابات المفكر الهندي شلبي النعماني (١٣٣٢/١٨٥٧-١٣٣٢/١٩١٤)، وعنه نُقل إلى الفارسية، فكان أول ظهور له بالفارسية سنة ١٣٢٩ ه/ ١٩٥٠م مع ترجمة محمد تقي فخر داعي كيلاني لكتب النعماني إلى الفارسية([3]). وأول ظهور لمصطلح علم الكلام الجديد بين الباحثين العرب كان مع فهمي جدعان سنة ١٩٧٦ في كتابه أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي. ([4])
فعلم الكلام تأويل أو تفسير المجتهد لفهم وبناء تصور حول الغيبيات، ففي علم الكلام/ العقيدة يُوجد الإنسان المجتهد، فتتوسط الذات والفهم في استيعاب حقائق الوحي، وهذا ما يجعل علم الكلام يطغى عليه الجانبان الذاتي والتاريخي/الزمني. على حدّ قول شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود
“لا نشكّ في إيمان رؤساء الفرق الإسلامية معتزلة، أو أشاعرة أو شيعة أو سلفيين، فقد تشبعوا بإيمان راسخ وحرارة دينية وعقيدة لا تزعزها الأعاصير، وقد اعتمدوا على نصوص واحدة: كتاب الله وحديث رسوله. فلمَ كان الاختلاف؟ ولمَ التشعب الذي لا ينتهي؟ لأنّها آراء الذاتية، آراء هي من صنع البشر إنّ علم الكلام هو آراء واجتهادات حول النصوص المقدسة/الوحي”.([5])
وفي محاولة لتفكيك النّسق الفكري الكلامي التقليدي المسيطر على العقل العربي للكشف عن منابع العنف والتعصب في ثقافتنا، التي تجعل التسامح غير فاعل ولا مُؤثر في مجتمعاتنا العربية، وللتأسيس لفكر كلامي يُعزّز الجانب الروحي والأخلاقي والجمالي، ويحثّ على العمل، والمحبة، والإيجابية يُمكننا أن نُجمل عدة منطلقات لتجديد علم الكلام/ العقيدة، وهي كالتالي:
- أولا: علم الكلام/ الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) الدينية يدخل في باب الآراء الذاتية القابلة للاختلاف، ولا يدخل في باب الآراء الموضوعية التي لا تقبل جدلا، فالحسم الموضوعي يحتاج إلى اعتماد كلي على الحسّ، وهذا ما لا يُمكن أن يتحقق في الإلهيات -وهي حُجب مستورة في عالم الغيب، وكذلك مادة الأخلاق مما يجعلهما ميدان خصب للآراء الذاتية ومجال للأخذ والرد، لا يُمكن الوصول فيها إلى نتيجة حاسمة مهما طال النقاش، فلا يعدو البحث في الأخلاق والإلهيات عن أن يكون علما كلاميا/ علما جدليا.
فلا يُمكن أن يتفق جميع الناس في القضايا الغيبية، فلا نعدو الصواب إذا قلنا إن البحث فيما وراء الطبيعة/ الغيبيات/ نشأ منذ نشأة الإنسان، ولا نعدو الصواب أيضا، إذا قلنا إنّها اختلفت النتائج باختلاف طُرق البحث بين إنكار مُطلق للألوهية، وللروح، وإيمان مُطلق يصل إلى التخريف بأوسع معانيه. وبين هذا وذاك مذاهب لا يحصيها العدّ: بين تشبيه مطلق وتنزيه مطلق وبين هذا وذاك، بين تفرقة بين العابد والمعبود وبين قائلين بوحدة الوجود واتحاد العابد والمعبود. ([6])
- ثانيا: الانتقال بعلم الكلام من الخطاب السجالي مع الآخر المذهبي أو الديني حيث كان علم الكلام القديم يُعنى بجانب العقائد في الرد على الخصوم، إلى التأكيد على الأبعاد الأخلاقية والروحية والجمالية والاجتماعية في الدين، فإلى جانب مباحث الإلهيات والنبوة والغيبيات ستُضاف مباحث تتعلق بحقوق الإنسان والمرأة والآخر، والعلاقة بين الدين والدنيا، فعلم الكلام الجديد لا يُنتج قولا دفاعيا وإنما معرفة تُقدّم موقف الإسلام من تلك القضايا.. معرفةً تبنى جسور التفاهم بيننا وبين الآخر المذهبي والديني والفكري، وهذا يتطلب “أن يتخذ علم الكلام طابعا حواريا تفاهميا، وأنّ إنتاج المقال الكلامي الجديد هو نوع من التّخاطب مع الآخر، وليس فقط نوعا من وعي الذات، إنّ سؤال الفهم الذي كان مطروحا في علم الكلام منذ القدم، مطلوب إحياؤه اليوم واستئنافه، والفهم الذي لا يعني فقط فهم الكتاب المسطور، وإنما الكتاب المنظور مطلوب النظر فيه أيضا سعيا نحو الفهم، ولابدّ لهذا الفهم، ولذلك أن لا يتعارضا، بل يتعاضدا، أو يُوكد بعضهما بعضا، وذلك هو مفتاح ما نُسميه بالتفاهم”. ([7])
فبينما يتبنى علم الكلام القديم/ الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) الدينية القديمة موقفا أيديولوجيا يهاجم غيره، وينتقص منه، ويشكك فيه، ويقف في موضع دفاع دائم عن نفسه، تتبنى نظرية المعرفة الدينية الجديدة/ علم الكلام الجديد موقفا معرفيا وليس أيديولوجيا؛ لذا فهو يُعرف بالدين بتقديم إجابات عن أهم أسئلة الحاضر، يشرح، ويحلّل ويُعمّق الأبعاد الإنسانية الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين الإسلامي.
فنحن في أمس الحاجة إلى تدين يُحي البُعد الرُّوحي والأخلاقي والجمالي، يقبل تعدد المدارس، يُفعّل التفكير النقدي، ويعمل على تخليص العقل من الأدلجة، فالتّدين لا يحتاج إلى مقاتلين، في حالة صراع مفتوح مع المختلف، وإنما إلى قلوب قادرة على الاتصال الروحي بربّها، والتعامل الأخلاقي مع الكون، وبناء جسور في عالم بلا أسوار ليس مع الآخر فحسب بل مع ماضيها، دون أن تنفصل عن أسئلة حاضرها، وهمومه، تجسير يُضيق الفجوة الكبيرة بين التراث الديني والفكر المعاصر.
يُتبع
_________________________________
المراجع:
([1]) الإمام أبي الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصليين، تقديم وتحقيق الدكتور نواف الجراح، دار صادر بيروت، الطبعة الأولي، 2006م، ص9.
([2]) محمد عمارة، بحث الاجتهاد الكلامي ضمن كتاب مناهج ورؤى متنوعة في الكلام الجديد، كتاب جماعي سلسلة دورية تصدرها مجلة قضايا إسلامية معاصرة، ط١، دار الهادي، بيروت، ٢٠٠٢، ص١٢٥.
([3]) عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، دار الهادي، مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الخامسة، بيروت، – بغداد، ٢٠٠٥، ص٣١.
([4]) فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، دار الشروق، الطبعة الثالثة، عمان- الأردن، ١٩٨٨، ص١٩٦،١٩٥.
([5]) يُنظر: د. عبد الحليم محمود، مقدمة في منطق التصوف مهّد بها لتحقيق كتاب المنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالي، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية، القاهرة، ١٩٥٥، ص ١٧.
([6]) يُنظر: د. عبد الحليم محمود، مقدمة في منطق التصوف مهّد بها لتحقيق كتاب المنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالي، ص٩،٨.
([7]) عزيز أبو شرع، الهرمنوطيقا وعلم الكلام الجديد محاولة في تجديد الخطاب الكلامي الإسلامي، مجلة الأزمنة الحديثة، المغرب، العدد (٤)، ١أكتوبر ٢٠١١م،
اقتباسات
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.