
الحاجة لتجديد علم الكلام/ علم العقيدة: الجزء الثالث…رؤية الإمام محمد عبده للتجديد
بحر عميق، غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، وكل حزب بما لديهم فرحون
بداية الإصلاح أن نعترف أن الفكر الديني يعيش أزمة في مجتمعاتنا، من أسبابها جمود تأويلاته، وغياب التحديث عن مناهجه، وكأنّه ليس في الإمكان أبدع مما كان، فأُدخلت مناهج إنتاج المعرفة الدينية في دائرة المقدس، على نحوٍ حرمها من التجديد، الذي اُتّهم بأنه موقف معرفي رافض للتراث، والواقع أنّ التجديد ليس دعوة للقطيعة مع القديم، فدوما نحن في حاجة إلى حركة مستمرة بين القديم والجديد كحركة بندول الساعة، نكتشف فيها المسكوت عنه والمهمش من التراث، ومن ذلك تراث الإمام محمد عبده الذي يُمكن أن نُجمل المبادئ التي بنى عليها الإمام رؤيته لتجديد علم الكلام/ علم العقيدة/ نظرية المعرفة الدينية في عشرة مبادئ لم يخرج فيها عن التراث، لكنّه وسّع دائرة التراث ليشمل تراث المسلمين الفلسفي والكلامي، فوقف موقفا معتدلا بين الفلاسفة والمتكملين، وبين الكلام والتصوف، وبين متقدمي المتكلمين ومتأخِّريهم، فالإمام محمد عبده، على حدّ توصيف شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب، قد تحرّر من المذهبية الكلامية، فيصعب تأطير الإمام بمذهب بعينه من مذاهب المتكلمين، حيث دار مع الفلاسفة تارة، ومع المتكلمين من أشاعرة ومعتزلة تارة أخرى، ورغم ما حملته آراء الشيخ من تجديد إلا أنّه لم يأت برأي لم يكن موجودا في التراث الفلسفي أو الكلامي من قبل، ويظهر ذلك جليا في “رسالة التوحيد” للإمام محمد عبده، التي تُعد النّص الوحيد الموثَّق، الذي يُبحثُ فيه عن فلسفة الإمام الكلامية، ورؤيته التجديدية ومدى تحرُّره من علم الكلام التقليديّ أو تأثّره به، واعتداده الشديد بالعقل مرجعية يضع لها حدودها.([1])
ويُمكننا أن نُجمل من تراث الشيخ محمد عبده عدة مبادئ دعا إلى ضرورة الالتزام بها عند تناول قضايا علم العقيدة/ الكلام، وتتمثل في المبادئ التالية:
- المبدأ الأول: إعلاء مقام العقل/ التفكير، “فهو جوهر إنسانية الإنسان، وهو أفضل القوى الإنسانية على الحقيقة“، واعتبار الدين من ضمن موازين العقل البشري، فعلى نقيض موقف دعاة الحرفية الذين تجمّدوا أمام ظواهر النصوص، رافضين تعقّل مرامي ومقاصد هذه النصوص أكّد الشيخ محمد عبده على أنّ “المرء لا يكون مؤمناً إلا إذا عقل دينه، وعرفه بنفسه حتى اقتنع به، فمن تربّى على التسليم بغير عقل، والعمل – ولو صالحا – بغير فقه، فهو غير مؤمن؛ لأنه ليس المقصود من الإيمان أن يُذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقى عقله وتتزكى نفسه بالعلم بالله والعرفان في دينه، فيعمل الخير؛ لأنّه يفقه أنّه الخير النابع المرضي لله، ويترك الشر لأنّه يفهم سوء عاقبته درجة مضرته في دينه ودنياه، ويكون فوق هذا على بصيرة وعقل في اعتقاده، فالعاقل لا يُقلد عاقلا مثله، فأجدر به أنْ لا يُقلد جاهلا دونه“.([2])
- المبدأ الثاني: تقديم التفكير العلمي على القراءة الحرفية للآيات والأحاديث الصحيحة، فعند تعارض الآية أو الحديث مع الحقيقة العلمية يُؤول الوحي بما يدفع التناقض؛ فأكّد الإمام على استحالة أن يتعارض النقل مع العقل؛ “فالعقل ركن المعتقدات الأول، فما أوجبه كان واجبا، وما أحاله كان محالا، وما أجازه كان جائزا“. فإذا ظنّ الإنسانُ وجودَ تعارض بين العقل والنقل فإنّ ذلك لا يعدو أن يكون تناقضا غير حقيقي، “بين حقيقة النقل وبين توهم العقل. وليس صريح العقل، أو تعارضا بين العقل وظاهر النقل، وليس حقيقة النقل“.
فإذا عارض الخبر العقل، وجب تأويل الخبر بما يُزيل هذا التعارض، فقد “اتفق أهل الملة الإسلامية، إلا قليلا ممن لا يُنظر إليه، على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دلّ عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلى الله في علمه والطريق الثانية تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل“. ([3])
وبعد أن جعل الشيخ محمد عبده العقل التأمليّ السبيل الوحيد إلى الإيمان، وجعل النقل السبيل الوحيد لمعرفة عالم الغيب، بقوله:
“العقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله، وعلمه، وقدرته، والتصديق بالرسالة… أما النقل فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب، كأحوال الآخرة”. ([4])
عاد الشيخ وقيّد النقل، فحصر مصادر العقيدة الإسلامية في الخبر قطعي الثبوت والدلالة فهو حجة قاطعة على ما تضمنه، وذلك يشمل شيئين الكتاب الكريم والحديث المتواتر، وعرّف الإيمان بوجوب التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، “ونعني بما جاء به ما صرّح به في القرآن الكريم، وما تواتر به الخبر تواترا صحيحا مستوفيا لشرائطه.. فيقتصر وجوب الإيمان في أحوال ما بعد الموت من بعث ونعيم في جنة وعذاب في نار وحساب وحسنات وسيئات، وغير ذلك مما يكثر الكلام فيه على صريح القرآن الكريم بوصفه الخبر المتواتر.. ولا تجوز الزيادة على ما هو قطعي بظنّي“. ([5]) فالخبر إذا كان رواته أحادا لا يصلح أن يكون دليلا على ثبوت الأمور الاعتقادية؛ لأن الأمور الاعتقادية الغرض منها القطع، والخبر الظني الثبوت أو الدلالة لا يُفيد القطع. وعلى هذا من يجد فيما جاء في أخبار الآحاد من غيبيات شُبهة، تجعله يشكّ في صحتها، فلم يُؤمن بها فلا يُطعن في إيمانه بعدم التصديق. ([6])
وحذّر الشيخ محمد عبده من أخبار الآحاد التي تحكي أحداث نهاية العالم، فرأى بها من الاضطراب إذا قورن بعضها ببعض مما يضعف صحة أن يكون المتن من النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنها تدعو إلى الاستسلام، وتُبرر العجز، وقلة العمل والإعراض عن البحث، “فبمثل هذه الأخبار يستدل الجامدون فإذا قيل لهم لما تبحثون عن حلول لما صار إليه الناس من علل وضعف؟ قالوا إنها علل آخر الزمان، وقد ورد في الأخبار ما يدلّ على أنّه كائن لا محالة، وإن الإسلام لابد أن يرفع من الأرض، ولا تقوم القيامة إلا على لكع بن لكع. واحتجوا على اليأس والقنوط بآيات وأحاديث وآثار تقطع الأمل، ولا تدع في نفس حركة إلى عمل؟!([7])
كما قيّد مدلول المعلوم من الدين بالضرورة في القرآن الكريم وقليل من سنة النبي صلى الله عليه وسلم العملية، فالمعلوم من الدين بالضرورة الذي يجب الإيمان به “هو ما في الكتاب، وقليل من السنة في العمل”.([8])
- المبدأ الثالث: تنزيه المقام الإلهي عن مشابهة المخلوقين، وما جاء يُوهم ظاهره ذلك في المتواتر وجب صرفه عن الظّاهر، إما بتسليم لله في العلم بمعناه، أي أنّ الله وحده أعلم بالمعنى، وظاهر اللفظ غير مراد، أو بتأويل تقوم عليه القرائن المقبولة. ([9])
فكثير من قضايا العقيدة التي يُحكى فيها الخلاف بين المسلمين انتهت إلى وفاق، فالواقع أنّ من المسلمين قديما وحديثا من يبحث عن الاختلاف، ويُغلق كل طريق يُؤدي إلى اتفاق، فقد “مُني الإسلام بقوم يحبون الخلاف، والله فوق ما يظنون“.. ومن تلك القضايا الخلافية رؤية الله يوم القيامة التي يُحكى فيها اختلاف بين المعتزلة والمحدّثِين والواقع أن المسألة انتهت إلى اتفاق،
“فالقائلون بجواز الرؤية من أهل التنزيه متفقون على أن الرؤية لا تكون على المعهود من رؤية البصر.. بل هي رؤية لا كيف فيها ولا تحديد، ومثل تلك الرؤية لله لا تكون إلا ببصرٍ يختصّ الله به أهل الدار الآخرة أو تتغيّر فيه طبيعة البصر المعهودة في الحياة الدنيا، وهو ما لا يُمكننا معرفته، وإن كنّا نُصدق بوقوعه متى صحّ الخبر، والمنكرون لجوازها لم ينكروا انكشافا يُساويها، فسواء كان ذلك بالبصر غير المعهود أو بحاسة أخرى”. ([10])
يتضح من ذلك أننا أمام خلاف لفظي في مدلول رؤية الإنسان لله بين قائلين: الرؤية انكشاف يحدث بحاسة غير النظر.. وقائلين: الرؤية بصرية لكن بعين بخلاف العين الناظرة في الدنيا، وترى الله بلا كيف ولا تحديد، فكلاهما منزه لله في الحقيقة، والاختلاف بينهما اختلاف في مدلول اللفظ، وهكذا الكثير من القضايا الخلافية اتفقت على التنزيه، واختلفت في صياغة الدلالة التي يتحقق بها.
يُتبع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
([1]) ينظر: عثمان عبد المنعم عيش، توضيح رسالة التوحيد، أبو ظبي، مجلس حكماء المسلمين، الطبعة الثانية، 2020، – بحث الشيخ أحمد الطيب “الإمام محمد عبده متكلما”. ص307،306. – د. حسن الشافعي، قول في التجديد، القاهرة، ذخائر الوراقين، الطبعة الأولى، 2016م، ص25.
([2]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، ص301
([3]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج4، ص332
([4]) السابق، ج 5، ص ٢٤٢.
([5]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، ص482
([6]) يُنظر: الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، ص483
([7]) يُنظر: الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج2، ص333 بتصرف.
([8]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، ص458
([9]) يُنظر: الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج4، ص305
([10]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، ص485
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.