
الحاجة لتجديد علم الكلام/ علم العقيدة: الجزء الرابع…رؤية الإمام محمد عبده للتجديد
لا تكفير لمن يُعمل عقله في الوصول إلى الله
تأثّر الشيخ محمد عبده في مقتبل حياته الفكرية بالمدرسة الحرفية التي نشأت على تبديع الفلاسفة ومعاداة العلوم الفلسفية، ولا تزال تُعاديها إلى يومنا رغم أثرها في الحضارة الحديثة، إلا أنّ موقف الإمام تغيّر بعد أن أتقن اللغة الفرنسية في المنفى، وتعرّف أكثر على الثقافة الغربية، فقويت صلته بكتب الفلسفة، والتقى بعدد من كبار الفلاسفة في زمنه، فعندما أعجب بالفيلسوف الإنجليزي “هربرت سبنسر” سافر لمقابلته في بريطانيا، وترجم كتابه من الفرنسية إلى العربية، وسعى عند عودته إلى مصر إلى تدريس علوم الفلسفة في الأزهر ضمن حزمة من العلوم الحديثة إلا أنه قُوبل بالرفض الشديد.
غير أن الرّفض لم يُثنِ الشيخ محمد عبده عن طريقه، فأكّد فيما يُمكنني وصفه بالمبدأ الرابع من مبادئ الإمام التجديدية:
- أنّه لا تكفير لمن يُعمل عقله في الوصول إلى الله، فردّ للمدارس الفلسفية اعتبارها، وأزال عنها الوصْم بالتكفير والتجديف، فيقول:
“اشتهر بين المسلمين، وعُرف من قواعد أحكام دينهم، وهو إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر، فهل رأيت تسامحا مع أقوال الفلاسفة الحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحمق بحيث يقول قولا لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه”؟!([1])
كما أعاد الإمام تحرير مفهوم الدين فمِن بين عشرات المفاهيم التي تُعرف بالدّين صاغ الإمام مفهوما أفقيا يمتدّ في كل الأمكنة والأزمنة يشمل سائر الممارسات الإيمانية، “فدين الله في جميع الأزمان هو إفراده بالربوبية، والاستسلام له وحده بالعبودية، وطاعته فيما أمر به، ونهى عنه، مما هو مصلحة للبشر، وعماد لسعادتهم في الدنيا والآخرة، وقد ضمّنه كتبه التي أنزلها على المصطفين من رسله، ودعا العقول إلى فهمها منها، والعزائم إلى العمل به“.([2])
- المبدأ الخامس: الإيمان بالله يرفع القداسة عن سائر البشر، وينفى الوساطة بين الله والمؤمن به، فجميعنا قادر على التواصل مع الله. فرفْض كل أشكال السلطة الدينية هو أصل من أصول الإسلام، فلم يدع الإسلام لأحد سلطانا على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم كان مبلغا ومذكرا، وليس مهيمنا ولا مسيطرا، قال الله تعالى: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ“، [الغاشية: 22،21] ولم يجعل لأحد من أهله أن يحلّ، ولا أن يربط لا في الأرض ولا في السماء.
فالإيمان يعتق المؤمن من كلّ رقيب عليه فما بينه وبين الله سوى الله وحده، فليس لأحد على الآخر إلا النصيحة، ولا يجوز لأحد من الناس أن يتتبع عورة أحد، ولا يسوغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسس على عقيدة أحد. فليس في الإسلام سلطة دينية، سوى سلطة الموعظة الحسنة، الدعوة إلي الخير، والتنفير عن الشرّ وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين، كما خولها لأعلاهم، فليس في الإسلام ما يُسمّى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه، ولا يجب على مسلم أن يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول ما يعمل به عن أحد إلا عن كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، فالإسلام لم يجعل لسلطانٍ، ولا قاضٍ ولا مفتٍ ولا شيخ الإسلام أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدّعي حقّ السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريق نظره، وسبيل وصوله إل الله.([3])
- المبدأ السادس: تجنيس الإسلام بالعروبة، وتجنس بعض العرب بالإسلام، ومحاولاتهم احتكار المعنى الصحيح للإسلام بمقتضى عروبتهم أضرّ بالفكر الديني، “فلا هم فهموه فأقاموه، ولا هم رحموه فتركوه، وصلوا نسبهم بنسبه، وقالوا نحن أهله وعشيرته، وحماته وعصبته، وهم ليسوا منه في شيء، ألا كما يكون الجهل من العلم، والطيش من الحلم“.([4])
فكل مَن توفّرت له أدوات المعرفة له أن يتعامل مع مصادر الوحي ليُنتج معرفته الدينية ليست هي الدين بل فهْم، ورأْي، فلا يزعم لنفسه سلطة على الناس كما أنه لا سلطة لغيره، “فلكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله، بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف، وإنما يجب عليه قبل ذلك أن يحصل من وسائله ما يُؤهله للفهم كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها، وأحوال العرب خاصة في زمان البعثة، وما كان الناس عليه زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي، وشيء من الناسخ والمنسوج من الآثار. فإن لم تسمح له حاله بالوصول إلى ما يعدّه لفهم الصواب من السنة والكتاب، فليس في الإسلام ما يُسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه“.([5])
- المبدأ السابع: لا يُمكننا أن نقطع بمصير أحد إلى الجنة أو إلى النار ولو مات على غير الإسلام؛ لأنّه من المحتمل أن يكون مات وهو في طريق الطلب والبحث “فأول أساس وُضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، والنّظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحجة، وقاضاك إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته، فكيف يُمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه؟!
بلغ بهذا الأصل بالمسلمين أنْ قال قائلون من أهل السنة: إنّ الذي يستقصى جهده في الوصول إلى الحقّ، أي جهود النظر العقلي للوصول إلى الله ثمّ لم يصل إليه، ومات طالبا غير واقف عند الظنّ، فهو ناجٍ، فأيّ سعة لا ينظر إليها الحرج أكمل من هذه السعة؟”([6])
فالله وحده من يملك القدرة على أن ينظر في أعماقنا، وأن يعرف السطر الأخير في حياتنا، فيسع الجميع قول الله تعالى “إنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔینَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوۤا۟ إِنَّ ٱللَّهَ یَفۡصِلُ بَیۡنَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ شَهِیدٌ” {الحج:17} فالله “يُخْبِرُ عَنْ أهْلِ هَذِهِ الأدْيانِ المخْتَلِفَةِ، أنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهم في الآخِرَةِ بِالعَدْلِ. فَيُدْخِلُ مَن آمَنَ مِنهم بِهِ وعَمِلَ صالِحًا، الجَنَّةَ. ومَن كَفَرَ بِهِ، النّارَ. فَإنَّهُ تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ، حَفِيظٌ لِأقْوالِهِمْ، عَلِيمٌ بِسَرائِرِهِمْ وما تُكِنُّهُ ضَمائِرُهم“.([7])
- المبدأ الثامن: المعجزات لا تثبت بخبر الآحاد؛ لأنّ المطلوب فيها اليقين، وخبر الآحاد لا يقين فيه. ولا يعوّل بعد الأنبياء في الدعوة إلى الحق على غير الدليل، وألا يُنظر إلى العجائب والغرائب وخوارق العادات من كرامات تُشبه المعجزات.([8])
فالمعجزة عند الشيخ محمد عبده “ليست من نوع المستحيل عقلا، فإن مخالفة السير الطبيعي المعروف في الإيجاد مما لم يقم دليل على استحالته“.([9]) لكنه اشترط لإثبات المعجزة والكرامة أن يثبتهما النص/ الخبر المتواتر الثبوت قطعي الدلالة، وألا يكون القول بالمعجزة طريقه الإشارة أو الروايات الإسرائيلية، كما أنه تمسك بالقيد الذي وضعه القدامى على المعجزة من كونها مرتبطة بتحدى النبي لقومه بما يقتضى مشاهدتهم البصرية للمعجزة، “فلا بد أن تكون مقرونة بالتحدي عند دعوى النبوة، وظهورها من البراهين المثبتة لنبوة من ظهرت على يده“.([10]) فأثبت الشيخ معجزة شقّ البحر لموسى عليه السلام، ورد على من أوّلها بجزر البحر” لأن المصدر القائل بالمعجزة هو القرآن الكريم بلفظ صريح قطعي، كما أنّه يقف عند حدود الآية في الإخبار عن المعجزة، فيُجمل حيث أجملت، ويُفصّل حيث تُفصّل.
وميّز الشيخ بين المعجزات قبل النبي محمد، صلى الله عليه وسلم،
“فقد جرت سنة الله تعالى على أن تجري الآيات على أيدي الأنبياء عند طلب قومهم لها، وجعل الإيمان موقوفاً عليها، فإن كانوا سألوه شيئاً من ذلك فقد جاء به“.([11])
والمعجزات بعد مجيء النبوة الخاتمة؛ لأن الإنسان
“دخل بدين الإسلام في سنّ الرشد، فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان وتقويم ما يعرض للفطرة من الميل إلى الاعتدال….فإيماننا بما أيَّد الله تعالى به الأنبياء من الآيات لجذب قلوب أقوامهم الذين لم ترتقِ عقولهم إلى فهم البرهان لا ينافي كون ديننا هو دين العقل والفطرة وكونه حتّم علينا الإيمان بما يشهد له العيان”.([12])
من جانب آخر، لا تتطلب الولاية والصلاح أنْ يصدر عن الإنسان الصالح فِعْل خارق لقوانين الطبيعة، يُعرف “بالكرامة”، ففي الوقت الذي نحترم رأي من يُؤمن بالكرامة، ولا نُنكر عليه، فإنه يجب عليه أيضا أن يحترم إيمان من يرفض “وقوع الكرامة“، فلا ينتقص من إيمانه اعتقادُه بعدم وقوع الكرامة، “فيجوز لكل مسلم، بإجماع الأمة، أن يُنكر صُدور أيِّ كرامة كانت من أيّ وليّ كان، ولا يكون بإنكاره هذا مخالفا لشيء من أصول الدين، ولا مائلا عن سنة، ولا منحرفا عن الصراط المستقيم… فأنْكَرَ جواز وقوع الكرامات أبو إسحاق الإسفراييني، من أكابر أصحاب أبي الحسن الأشعري، وعلى ذلك المعتزلة إلا أبا الحسين البصري، ([13]) فقال بجواز وقوعها، وعليه جمهور الأشاعرة”.([14])
وناقش الشيخ محمد عبده استدلالات الذاهبين إلى جواز الكرامات بما جاء في الكتاب/القرآن الكريم من قصة الذي عنده علم الكتاب الواردة في خبر بلقيس، من إحضاره عرشها قبل ارتداد الطّرْف في قوله تعالى “قال الذي عنده علم الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك” {النمل:40}، وقصة مريم عليها السلام وحضور الرزق عندها، وقصة أصحاب الكهف، وقولهم إنّ إنكار وقوع الكرامات يُؤدى إلى الشكّ في وقوع المعجزات، ورأى أنه كلام غير صحيح؛ لأن المعجزة تظهر مقترنة بدعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى، ولابد أن تكتنفها حوادث تُميّزها عمّا سواها.
ورأى ما جاء في القرآن من قصة مريم وإحضار عرش بلقيس وأصحاب الكهف لا دليل فيه على جواز المعجزة؛ فقد يكون بتخصيص من الله؛ لأنها وقعت في عهد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا علم لنا بما اكتنف تلك الوقائع من شؤون الله في أنبياء ذلك العهد إلا قليلا، وأما قصة أهل الكهف فقد عدّها الله من آياته في خلقه، وذكّرنا بها لنعتبر بمظاهر قدرته، فليست من قبيل ما الكلام فيه من عموم الجواز.. ويشير الإمام إلى ضرورة التمييز بين ما هو من قضايا العقيدة الواجب الإيمان بها وما هو من أقوال المتصوفة إذ قول المتصوفة أن وقوع الكرامة جائز وفي متناول النفوس التي ترتقي مقام الكمال من العناية الإلهية، لكنّه يظلّ قولا يجوز إنكاره، بإجماع الأمة، ولا يضرّ الإنكار بإيمان صاحبه. ([15])
يُتبع
المراجع:
([1]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج5، ص231
([2]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج2، ص483
([3]) يُنظر: الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، ص309. ج4، ص412
([4]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، ص335
([5]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج4، ص305
([6]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، ص301
([7]) محاسن التأويل للقاسمي، المجلد الرابع، ص422.
([8]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج5، ص102
([9]) رسالة التوحيد، ص81. فما نُسب للإمام محمد عبده وتلامذته من إنكار كامل للمعجزة غير صحيح. فكثير مما جاء في كتاب مصطفى صبرى، موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين، ج1، ص25. ج4، ص20وتم تداوله من طعْن في الشيخ محمد عبده ومدرسته غير دقيق.
([10]) رسالة التوحيد، ص82.
([11]) تفسير المنار، ج3، ص311،
([12]) تفسير المنار، ج3،ص315
([13]) عبد الله الحسين بن على البصري (399-308) تلميذ أبي هاشم عبد السلام بن محمد الجبائي وهو معدود في الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة.
([14]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، ص485.
([15]) يُنظر: الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، ص487:485.
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.