
لماذا خفتت روحانية المسجد وغُيّب دوره الإصلاحي؟
ترى كلّ جماعة في نشاطها داخل المسجد حقاً مشروعاً ومنعها عنه محاربة لدعوة الإسلام
المسجد، بخمس صلوات، استراحة روحية من ضوضاء الحياة اليومية، وخطبته الأسبوعية ودروسه وعظٌ يستهدف تجديد الزاد الروحي للمسلم، بما يُقوّي بداخله معاني الرجاء والخوف من الله، والمحبّة والتسامح مع الناس، والمحاسبة والمراقبة مع النفس، تلك الروحانية التي تبعث الأمل في عدل أكبر، عندما يشعر الإنسان بالعجز، وتحرّك بداخله معاني السكينة والاطمئنان ليقبل بنتائج جولات سعيه المتكررة، أخذاً بالأسباب، وبحثاً عن وسائل النهوض.
ومع النشأة الأولى للمسجد، في حياة النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، كان داراً للعبادة والقضاء، وطلب العلم، واستقبال وفود القبائل، وجمع الزكاة والصدقات، وإعلان النفير العام، إلا أنّ الأمر لم يدم طويلاً؛ فالمسجد في تاريخ المسلمين مرّ بأطوار تاريخية، انتقلت معها تلك الوظائف تباعاً خارجه، فبعد رحيله، صلّى الله عليه وسلّم، شرع خلفاؤه -مستفيدين من الخبرة الفارسية والرومية- في إنشاء الدواوين، فاستقلّ بيت المال بنفسه، وديوان الجند، ودار الحكم، ودار القضاء، وصولًا إلى استحداث مدارس مستقلة عن المساجد أوائل القرن الثالث الهجري، وهذا ما رأت فيه "جماعات التمايز بالإسلام عن المسلمين" انتقاصاً لدور المسجد، وإن قبلت على مضض بفكرة تخلّيه عن مهامه التاريخية، إلا أنها تمسّكت بدوره في التعبئة لمعركتها نحو التمكين، وجعلتها مسلّمة دينية ترقى لأن تكون الركن السادس في أركان الإسلام.
فالجماعات تعيش فترات مواجهة شعارها "هاجروا وقاتلوا في سبيل الله"، فمتى اهترأ نظام سياسي شعرت أنها على أعتاب مرحلة التمكين، وأن تلك الدولة هي أرض الجهاد المبشَّر به، كما تعيش فترات هدنة طويلة، شعارها "وأعدّوا"، وتُعرف تلك المرحلة بهدنة الإعداد، أو ما قبل التمكين، وفي تلك الفترات تنشط الجماعات لممارسة ما تُطلق عليه "الدعوة" انطلاقاً من المسجد الذي تراه ساحة مثالية لاستقطاب عناصر جديدة من الشباب المتطلّع إلى التدين الباحث عن صحيح الالتزام.
فغاية تلك المرحلة إشباع الأخ عاطفياً، وتعزيز نزوعه المفرط إلى المثالية، فإذا اطمأنت لقابليته واستعداده العاطفي انتقلت به من دائرة الربط العام إلى الدعوة الفردية، فتقترب منه فكرياً؛ بتسكينه في لقاء مفتوح قد يكون درساً أسبوعياً لأحد الشيوخ، أو حلقة لـ"تصويب" قراءة القرآن الكريم، فإذا انتظم انتقل بعدها إلى لقاء مغلق ينعقد أسبوعياً، وآخر شهرياً، لإعداده لأن يكون جزءاً آلياً في ماكينة التنظيم، وعلى قدر استجابته سمعاً وطاعة، وسلامته من داء التساؤل المستمر، والتفكير النقديّ، يأتي التصعيد التنظيمي وصولاً لبيعة العمل كأحد الأعضاء المنتظمين في الجماعة المخلصين لها، الساعين لإقامة دولتها، دولة المسلمين التاريخية على رفات دولة المواطنة الجغرافية.
وترى كلّ جماعة في نشاطها داخل المسجد حقاً مشروعاً، ومنعها عنه محاربة لدعوة الإسلام، فكلّ منها يرى نفسه الجماعة الناجية المستكملة لأركان الدعوة، فهماً وإخلاصاً وعملاً، فهي -دون غيرها- من يستحق تمثيل الإسلام حصرياً، وعلى النقيض تراها الأنظمة الحاكمة من تنظيمات محظورة قانوناً؛ لأن تمويلها ولائحتها لا يخضعان للقوانين المنظمة للعمل العام، ولا يخلو نشاطها من سرية وغموض يحتاج إلى أعوام أحياناً، لتظهر خباياه التي تضرّ بأمن وسلامة المجتمع.
وأمام إصرار الجماعات على الانطلاق من المسجد في التعبئة والانتقاء والتجنيد، تحوّلت بيوت الله إلى ساحات صراع؛ تارة بين الجماعات المتنافسة على اكتساب أنصار وعناصر جُدد، سيما في فترات التراجع الأمني، وإطلاق يد الجماعات في العمل المسجديّ، وتارة أخرى بين الجماعات والأنظمة السياسية التي احتاجت إلى عقود لتدرك أنّ فترات الهدنة أشدّ خطراً من فترات المواجهة، وأنّ نهاية نظام السادات لم تكن باغتياله، في تشرين الأول (أكتوبر) العام ١٩٨١؛ بل بدأت قبل ذلك بكثير، عندما أطلق العنان للحركة الأصولية لتجنّد كل جماعة عناصر جديدة من المسجد، فتعلّمت من سنوات الكرّ والفرّ؛ أنّ السيطرة على المساجد هي أول الطريق لعزل أبناء الحركة الأصولية مجتمعياً.
وكما أنّ الجهات الأمنية لا تملّ تتبع النشاط المسجدي، فإنّ الجماعات -هي الأخرى- لا تعدم إستراتيجيات التخفي، فإذا سُلب منها مسجد، عادت إلى آخر، في عملية تُطلق عليها "الفتح"، ولعلّ من أعجب تجارب الجماعات مع التخفي؛ ما قامت به جماعة الجهاد المصري، على مدار 12 عاماً، من مهادنة الدولة المصرية ظاهراً، متخذة من أفغانستان قاعدة لدولة الخلافة المرتقبة، بينما يُمارس أعضاؤها سراً الدعوة إلى الله من منظورهم، من خلال توسيع قواعد التنظيم؛ بتجنيد عناصر جديدة من الشباب الذي يتردّد على دروس مساجد شيوخ الفكر السلفي، ومن يستكمل مرحلة الإعداد العقائدي يلتحق في سريّة تامّة، بمعسكرات التدريب الخاصة بجماعة الجهاد في أفغانستان، ثم يعود إلى مصر، استعداداً لمعركة الفتح.
ولأنّ المسجد ليس ساحة لجماعة بعينها، قادت الجماعة الإسلامية، عن غير قصد منها، الشرطة المصرية إلى خلايا الجهاد؛ فإصرار الجماعة الإسلامية على الاحتفاظ بمسجد "آدم" بعين شمس مركزاً لنشاطها، أدخلها في مواجهة مع الشرطة، أعقبتها حملة اعتقالات كشفت مصادفة، من خلال التحقيقات، خلايا جماعة الجهاد، التي عرفت طريقها إلى معسكرات التدريب في أفغانستان، انطلاقاً من دروس المسجد، وعُرفت تلك الحادثة إعلامياً بـ "قضايا طلائع الفتح"، وكان انكشافها سبباً في تصدّع مجلس قيادة الجهاد المصري في الخارج وانقسامه.
ومع كلّ عودة من الجماعات إلى العمل المسجدي؛ نقطة البداية المتكررة في مشروعها نحو الأسلمة، تدخل الدولة المصرية جولة جديدة ليس في إصلاح الفكر الديني؛ بل في حوكمة المساجد الأهلية وإخضاعها لوزارة الأوقاف، بما يحرم الجماعات من أهم مساحات المجال العام، وإنْ فشل موظفو وزارة الأوقاف (أئمة المساجد) في إحداث تفاعل إيجابي داخل المجتمع؛ حيث تقف علاقة روّاد المسجد بالواعظ غالباً عند حدود السؤال الفقهي، المرتبط بالمناسبات الدينية والاجتماعية، إلا أنّهم نجحوا في منح الحماية اللازمة للميكروفون والمحراب والمنبر، ويُراقب أداءهم مفتشون مهمتهم الدعوية الأولى تتمثل في الاطلاع على دفتر الحضور والانصراف، لا يشغلهم سؤال المجتمع، ولا يُحفّز عزيمتهم تردّيه الأخلاقي، ولا يُبالون بضعف معدلات الاستجابة المجتمعية لخطابهم.
أئمة المساجد أكثرهم اختار طريق العمل الوعظي (الدعوة الإسلامية على حدّ تعبيرهم)، ليس لشيء سوى أنه حصل على مجموع متدنٍّ في الثانوية الأزهرية، فلم يجد خياراً سوى الكلية الشرعية، وبعد التخرّج وجد في الوعظ المسجدي فرصة عمل لأكل العيش، لا تحتاج منه سوى إتقان حفظ القرآن الكريم، ومعرفة أهم الأحكام الفقهية، بما يُمكّنه من اجتياز اختبارات القبول مع أول إعلان وظيفي، فقدرته على الحفظ والاستدعاء من الذاكرة وملف أمني نظيف من أيّة صلة بالجماعات، يضمنون له فرصة في مجال الوعظ، فليس من شروط وظيفته ملكات إبداعية أو قدرات نقدية، تمكّنه من إعادة قراءة التراث الوعظي، ولا يُبالي رؤساؤه بقدراته على التأثير في جمهور مسجده، فكرياً أو سلوكياً أو روحياً، فمثل تلك المهام لم يسمع بها قط ضمن مهام وظيفته الثلاثية؛ داعية وإمام ومدرّس بالأوقاف! وفي ظلّ روتينيّة أداء موظفي المساجد، واستقطابية وتعبئة الجماعات، خفتت روحانية المسجد وغُيّب دوره الإصلاحي.
اقتباسات
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.