
مقاربة مفاهيمية للدين وعلاقته بالأخلاق الكلية
إعادة النظر في المفاهيم التأسيسية المتداولة في الثقافة الإسلامية
يُشبّه شمس الدين التَّبريزي "العالَم بقِدْر (إناء) ضخم يُطْهَى (يُطبَخ) فيه شيءٌ ضخم؟ نعجز عن الإحاطة بهذا الشيء، وفي الوقت نفسه ما نقوم به من قولٍ أو فعلٍ يُمثّلُ إضافةً إلى هذا الخليط/ الشيء الذي في القدر (الإناء)"
ماذا يُمكننا أن نُضيفَ إلى هذا الإناء؟
ما الذي يُمكن أن يُضيفه أتباعُ كلِ دينٍ إلى الحياة؟ هل سيُضيفون استياء، وغضبا، وعنفا، أم سيُضيفون محبة، وتسامحا، وإحسانا؟
وهذا ما يستوجب إعادة النظر في المفاهيم التأسيسية المتداولة في الثقافة الإسلامية، فمساحات غير المفكّر فيه في الفكر الإسلامي شاسعة؛ والمفاهيم التأسيسية ملتبسة متداخلة؛ لذا فنحن في حاجة إلى أن تُعيد النظر في التعريفات الأولية، من خلال حوارات هادئة، وليس مناظرات حجاجية يكاد يغيب عنها البُعدُ الفكريّ العميق.
فمن الأخطاء التي وقع فيها جانب من الخطابات الإسلامية حَضْرُها النقاشاتِ الدينية في شكل مناظرات حجاجية، يتبادل فيها الطرفان الحجج والحجج المضادة بآداء مسرحي صاخب، فالمناظرة "معركة تدور على أرضية منطق أرسطو"، مواقعها ونتائجها محددة سَلَفًا، لا يقبل طرفاها التفكير والتغيير.
ترفض الخطابات الدينية المتشددة والتلفيقية "الثنائية"، فتدمج بوعي أو بلا وعي بين الدين والفكر الديني، بين الدين والتدين، وهذا الدمج يتعارض مع أي دراسة علمية للمسألة الدينية، ويضرّ بالإيمان، والمجتمعات. حتى تتضح تلك الثنائية أكثرَ دَعُونا نتوقف أمام الوحي متمثلا في الخطاب القرآني بوصفه رسالة تحمل هداية ورحمة للعالمين آتتْ من مُرْسِل: هو الله المطلق الإلهي المفارق للزمن الذي "لَيْسَ كَمِثِّلِهِ شيء" [الشورى، ١١]، موجّهة إلى مُتَلقِي/ إنسان يعيش داخل زمن بما يحمله دال الزمن من تعددٍ.. عبْر وسيط اتصالي حامل للرسالة: هو اللغة.
فالله اختار لغة الإنسان للتواصل و حمل الرسالة، فاللغة العربية في الإسلام شفرة الاتصال بين اللّٰه والإنسان؛ "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" [إبراهيم:٤]
نخلص إلى أنّ الله المطلق اتصل بالإنسان النسبي، متنوع الثقافات، واللغات، عبر لغة الإنسان، تلك اللغة التي تبدأ من داخل العقل/الفكر الإنساني، الذي لا يُدرِك إلا عبر تصوّرات وتقييدات؛ لذا تتعدد وتتنوع التصورات؛ ليس لأنّ اللة في ذاته تعدّد، وإنّما لأنّ الإنسان المتلقي متعدد متنوع في تصوّراته، واجتماعه، وثقافته، ولغته؛ بهذا نؤسس معرفيا لقبول التجارب الإيمانية والمذاهب المتعددة داخل الدين الواحد، ولاحترام تعدد الأديان الذي هو من لوازم تنوع وتعدد الاجتماع الإنساني، فالإنسان (الناسوت) حاضرٌ مرتين في المسآلة الدينية: مرة بوصفه المتلقي اتصالا بالنبوة وتبليغا وممارسة، ومرة ثانية باللغة التي تحمل داخل القرآن الكريم كلّ سمات اللغة بشكل عام ننطلقُ من تلك الثنائية إلى تقديم مقاربة لمفهوم الدين، فأُجمل هنا ما فصّلته في ورقتي البحثية حول مفهوم الدين في ضوء نظرية الحقول الدلالية عند توشيهيكو إيزوتسو، فبعيدا عن الدين بمدلولاته اللغوية التي تزيد عن عشرين مدلولا ما بين حقيقي ومجازي الدين في لغة القرآن يُساوي الفطرة الإنسانية، يُساوي الإسلام، يُساوي الدعوة/الدين الإبراهيمي، رسالة الأنبياء التي لم تتغيّر عبر الاف السنين، وهذا ما يجعله محدودا في أمرين: الدعوة إلى الإيمان بوجود خالق له كلّ الجمال والكمال والالتزام بالأخلاق الكلية التي لا يختلف عليها أي إنسان متى احتكم إلى ضميره/ فطرته. بهذا يُمكننا القول: إن الدين نابع من فطرتنا/ ذواتنا الإنسانية في احتياجها الروحي إلى الإيمان بالله والأخلاق الكلية..
إننا أمام اتحاد بين الضمير الإنساني الذي يعتنق الأخلاق الكلية, ومبادئ القرآن الكريم العامة من كرامة، وعدالة وغيرهما مما يُمثّل كلمات مفتاحية لفهم رسالة الله إلى الإنسان.
ويُؤكّد ذلك قوله تعالى: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِظْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ الروم"
[سورة الروم:٣٠] "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا"[الشورى الآية ١٣] "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ" [سورة آل عمران: ١٩].
وهنا يُمكننا أن نُقرر قاعدة: وهي أنّ ما جاء من آيات قرانية يتعارض ظاهرها مع المبادئ القرانية فهي ايات ذات سياقات زمنية مُنتهية مثل آية الجزية وضرب المرأة وغيرها من آيات تتعارض مع مبدأ الكرامة الإنسانية أحد مبادئ القرآن الكريم، في قوله تعالى "ولقد كرّمنا بني آدم"، كذلك الأحاديث التي تتعارض مع المبادئ القرآنية العليا/ الأخلاق الكلية فربما تكون في حاجة إلى تأويل, أو إلى وضعها في سياقها السياسي والاجتماعي كعادة وعُرف, وليست دينا, فمثل هذا يُزيل التناقض:
فالوحي نسقٌ متكاملٌ، لا يُناقض بعضُه بعضا.
فالدين -كما يُقدّم ذاته - حقيقة مُطلقة قادمة من خارج الاجتماع لا يقبل التطور أو التعدد، ومن ثمّ، غير قابل للتغير، وهذا ما يجعله ينحصر في الثابت، وهو الإيمان بالله والقيم الكلية، بعبارة أخرى: الألوهية والأخلاق,
فلا شيء على وجه الإلزام المؤبد إلا هذا الإيمان بالله والأخذ بالأخلاق الكلية معها.. هذا هو مدلول الدين الذي جاء من الله إلى كلّ الأمم عبر آلاف السنين
"وَلَقَدْ بَعَثُنَا فِي كُلِّ أُقَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ" [سورة: ] فالمشترك في الأديان الإيمان بالله والأخلاق الكلية الثابتة، هكذا تكلّم القرآن عن الدين الواحد، لكن عندما تكلّم عن التدين/التشريع/ الفكر الديني جعله متعددا في قوله تعالى: "لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً", فتتعدد الأديان بتعدد شرائعها وفكرها الديني وتديناتها وتصوراتها اللاهوتية اجتهاداتها في التّعرف على صورة الله، وهو تعدد ناتج عن الإنسان موضوع الاجتماع تلك الذات التي تتدين.
ولنقف عند مفهومي الإيمان والأخلاق الكلية والشعائر في أصولها المتفق عليها مكوني الدين في القرآن الكريم:
الإيمان فعل إنساني ذاتي يَعني التصديق/ الاعتقاد/ اليقين، ويأتي عبر تجربة التأمل، وهو الأداة الوحيدة التي تحسم وجود الوحي، فمن داخل الذات الفردية يأتي قرار الإيمان، فالإيمان يصدر من أصل الذات، واحتياجها الأصيل إلى التجربة الروحية، فهي منبع الإيمان، وحصنه الأخير, فلا يستطيع شيء منع الذات من إدراكاتها التي تصل إليها بآلياتها المباشرة الداخلية: فالذات (الفردية) وحدها قادرة على الوصول لذلك فهي مستغنية بذاتها عن إقرار يأتي من خارجها بما في ذلك برهان العقل الذي يعجز عن إثبات ما وراء التجربة المؤمنة، فالإيمان "هو اعتناق ما لا ضرورة للبرهنة عليه، قبل أن يكون اعتناق ما لا يمكن البرهنة عليه".
والإيمان كتجربة فردية، وعلاقة رآسية بين الإنسان والله؛ يُعزز استقلالية التجربة الإيمانية، والرقابة الذاتية، فكلّ إنسانٍ هو الرقيب على نفسه، والمحرّك، لخيرها وشرّها،
"وَنَفْسِ وَمَا سَوَّاهَا فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها". [سورة الشمس، ١٠:٧] ليس لمن حولنا آن يتدخل في تجربتنا الإيمانية، وكون الإيمان تجربة فردية يستوجب الامتناع عن إصدار أحكام معيارية بشأن تجارب الآخر الإيمانية، وأن نحترم جميع أشكال الإيمان بلا تمييز، وأن نتوقف عن إصدار أحكام على ما سيصير إليه الإنسان بعد الموت ثوابا وعقابا، ذاك السلوك المسيّطر على عدد من الخطابات الإسلامية، فالله وحده مَنْ يملك القدرة على أنْ ينظرَ في أعماقنا، وأنْ يعرفَ السطر الأخير في حياتنا.
فالأخلاق الكلية بوصفها قوانين عامة ثابتة تعمل على إحلال السلام محل الصراع، والانتصار للمجتمع على حساب الأنا, فالدين المطلق الثابت، بالإضافة للإيمان، مجموعة من المبادئ والقيم الأخلاقية الشاملة العامة التي تُؤثر في حاضر ومستقبل الإنسانية، وتؤثر على كيفية تعامل الأفراد مع بعضهم داخل المجتمع الواحد، وتحدد العلاقة بين المجتمعات والدول في هذا العالم، فالأخلاق الكلية تتطلب من الأفراد والدول الالتزام بمبادئ العدالة والمساواة والاحترام المتبادل، بما يُسهم في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا واستقرارًا.
وعلى الرغم من مركزية الأخلاق الكلية في مفهوم الدين إلا أنّها مهمّشة في الخطاب الديني الإسلامي، وهذا يتطلب أن نُولي أهميةً كبيرةً لدراسة التراث الفلسفي الإسلامي مثل فلسفة ابن سينا والفارابي اللذين ركّزا على الجوانب الأخلاقية بدلاً من الاستغراق في الجوانب الميتافيزيقية/ القضايا الغيبية، وهم في ذلك يتفقون مع منهجية القرآن الكريم التي أجملتْ، واختصرت الجانب الغيبي في إشارات رمزية محدودة..
بهذه المقاربة لمفهوم الدين يسقط الاحتكار المزعوم للحقيقة الدينية، وطُرُق الوصول إليها الذي يُؤسّس للمواقف العدائية، والخصومات الطائفية والمذهبية؛ فهذه المقاربة تدفع نحو التسامح بإعادة النظر في علاقتنا بالحقيقة، فالأقرب للتجربة الإيمانية القائمة على اليقين ألا ننظر للحقيقة من زاوية تحويل المطلق إلى نسبي محتمل في جميع الأطراف, وإنما القول بآنّ الحقيقة المطلقة واحدة في ذاتها، وتجارب الإنسان في بُلوغها متنوعة، فتتعدد التجارب الدينية الساعية للوصول إلى الحقيقة المطلقة، مما يعني تعددية الرؤى والمذاهب ضمن الدين نفسه، فمثل هذا الطرح يسلب احتكار جماعة أو طائفة للحقيقة، الذي على أساسه تتشكل المواقف العدائية والخصومات الطائفية.
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.