السنة والسؤال الصعب: شيخ الأزهر محمود شلتوت في مواجهة السلفية الفكرية المعاصرة.. المقال الرابع
هل الأحاديث تنفرد بإثبات أو نفي قضية من قضايا العقيدة؟
يُكمل شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت (1893-1963) طرْحَ الأسئلة الصعبة عن طبيعة سُنة الأحاديث، محاولًا تقديم إجابات تتجاوز الإجابات الجاهزة التي عادة ما يُرددها الوعّاظ، ويُعيد الباحثون التفكير فيها، ومن تلك الأسئلة: هل الأحاديث تنفرد بإثبات أو نفي قضية من قضايا العقيدة؟ هل الأحاديث تُنشئ عقيدة؟ ما أسباب ظاهرة الإسراف في وصف الأحاديث بالتواتر رغم نُدرة المتواتر؟ هل أخبار الآحاد تُفيد اليقين؟ وهل يصحّ الاعتمادُ عليها في شأن الغيبيات؟ هل الأحاديث الواردة في المعجزات الحسيّة وعلامات السّاعة قطعية الثبوت والدلالة فتُفيد اليقين أم غير قطعية الثبوت والدلالة فمدلولها ظني يجوز الأخذ بظاهره، ويجوز عدم الأخذ بظاهره وتأويله؟
يتفق الشيخ محمود شلتوت مع أستاذه شيخ الأزهر الشيخ مصطفى المراغي والإمام محمد عبده في أنّ الأمور الغيبية فيما يتعلق بالله وصفاته، وما يتعلق بالرسل والوحي، وما يتعلق باليوم الآخر لا تثبت بأخبار الآحاد وَحْدها، فقد تكفّل القرآن ببيانها، فالقرآن لتواتره وإفادته القطع، هو المصدر الوحيد لتعرف قضايا العقيدة، فما طلب القرآن من الناس الإيمان به فهو عقيدة، وما لم يطلب الإيمان به فليس بعقيدة، و”الحديث” في هذا القسم ليس إلا مرددًا لما أثبته القرآن منه، وليس في العقائد ما انفرد الحديث بإثباته، أو ما يخالف الحديث فيه القرآن.
وإنما لا تثبت العقيدة بالحديث؛ لأن العقيدة ما يُطلب الإيمان به، والإيمان معناه اليقين الجازم، ولا يغير اليقين الجازم إلا ما كان قطعي الورود والدلالة، وهو المتواتر. والأحاديث الآحاد المروية في الغيبيات لم تتوفر فيها أركان التواتر، فلا تفيد بطبيعتها إلا العلم الظنيّ، والظن لا يثبت العقيدة.
“فأول ما يجب التّنبه له في هذا المقام أن “الظنية” تلحق السُنة من جهتي الورود والدلالة: فقد يكون في اتصال الحديث برسول الله – صلى الله عليه وسلم – شبهة فيكون ظني الورود، وقد يُلابس دلالته احتمال فيكون ظنّي الدلالة، وقد يجتمع فيه الأمران: الشبهة في اتصاله، والاحتمال في دلالته، فيكون ظنيًا في وروده ودلالته. ومتى لحقت “الظنية” الحديث على أي نحو من هذه الثلاثة فلا يمكن أن تَثْبُتَ به عقيدة يُكَفَّرُ مُنكرها، وإنما يُثبت الحديثُ العقيدةَ، وينهضُ حُجَّة عليها إذا كان قطعيًا في وروده ودلالته.
وهذا ما يقودنا إلى السؤال الثاني: ما الفرق بين المتواتر والآحاد من الأحاديث؟
قسّم العلماء “السُنة” إلى قسمين: ما ورد بطريق التواتر، وما ورد بطريق الآحاد. وضابط التواتر أن يبلغ الرواة حدّا من الكثرة تُحيل العادةُ معه تواطؤهم على الكذب. ولا بد أن يكون ذلك متحققًا في جميع طبقاته أي في جميع الأجيال التي تناقلت الحديث، طبقة/جيل عن طبقة/جيل: أول إسناد ومنتهاه ووسطه بأن يروي جمْعٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يروي عنهم جمعٌ مثلهم، وهكذا حتى يصل إلينا، فالتواتر عند التحقيق رواية الكافّة/الجميع عن الكافّة/الجميع.
ويقول بعض علماء الأصول: “الخبر المتواتر هو الذي اتصل بك من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اتصالًا بلا شُبهة حتى صار كالمُعاين المسموع منه، وذلك أن يرويه قوم لا يُحصى عددهم، ولا يُتوهم تواطؤهم/اتفاقهم على الكذب؛ لكثرتهم، وعدالتهم وتباين أماكنهم، ويدوم هذا في وسط إسناده وآخره وأوّله، وذلك مثل: القرآن والصلوات الخمس، وأعداد الركعات، ومقادير الزكوات.
هذا هو التواتر الذي يوجب اليقين بثبوت الخبر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمّا إذا رَوى الخبرَ/الحديثَ واحدٌ، أو عددٌ يسير، ولو في بعض طبقاته، فإنه لا يكون متواترًا مقطوعًا بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يكون “آحاديًا” في اتصاله بالرسول، به شبهة، فلا يفيد اليقين، ولا فرق في ذلك بين أحاديث الصحيحين وغيرهما.
إلى هذا ذهب أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، “فخَبَر (حديث) الْوَاحِدِ مُحْتَمَلٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَقِينَ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدْ سَفَّهُ نَفْسَهُ، وَأَضَلَّ عَقْلَهُ.” ([1])
وقال الغزالي: “خبر الواحد لا يفيد العلم وهو – أي عدم إفادته العلم – معلوم بالضرورة. وما حُكي عن المحدثين من أنه يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل إذ يُسمى الظنّ علمًا، ولذا قال بعضهم: خبر الآحاد يورث العلم الظاهر، والعلم ليس له ظاهر وباطن وإنما هو الظن”.([2])
وقد قرر هذا المعنى قبله الإمام الباجي مُدعيًا أن الغلط إنما دخل على القائلين بإفادة خبر الواحد للعلم ” من أن العمل بأخبار الآحاد معلوم وجوبه بالقطع واليقين، وأما ما يتضمنه من أخبار فمظنون، فلم يتميز لنا العلم بوجوب العمل من العلم بصحة الخبر”. ([3])
وقال الأسنوي: “وأما السُنة فالآحاد منها لا يُفيد إلا الظنّ”، وقال البزدوي تفريع على أنّ خبر الواحد لا يفيد العلم: “خبر الواحد لمّا لم يُفِدْ اليقين لا يكون حُجَّة فيما يرجع إلى الاعتقاد؛ لأنه مبني على اليقين، وإنما كان حُجَّة فيما قصد فيه العمل”.
وقال الأسنوي: “إنّ رواية الآحاد إن أفادت فإنما تفيد الظنّ والشارع إنما أجاز الظن في المسائل العملية وهي الفروع دون العلمية مثل قواعد أصول الدين”. ([4]) وقال القاضي عبد الجبار عن خبر الواحد: “فأما قبوله فيما طريقه الاعتقادات فلا”. ([5]) وقال ابن برهان: “خبر الواحد لا يفيد العلم -خلافًا لأصحاب الحديث- ولا تثبت به العقائد”([6])، وقال السمرقندي: “خبر الواحد لا يحتج به في العقائد لأنه يوجب الظن”.([7])
خلُص شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت من هذه الآراء التراثية إلى أن العلماء من متكلمين وأصوليين اتفقوا على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة، وأنّ المحققين من العلماء يصفون ذلك القول ضروري لا يصحّ أن يُنازع أحد في شيء منه، ويحملون قول ابن حزم في كتابه “الأحكام”: “إن خبر الواحد يُفيد العلم” على أن مرادَه العلم بمعنى الظنّ كما ورد في قوله تعالى: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ”.([8]) فعلم الذين آمنوا بإيمان المؤمنات المهاجرات ظني.
ويُؤكد الشيخ أنّ كون خبر الآحاد لا يُفيد العلم اليقيني الذي تثبت به العقيدة، ليس معناه أنّ هذا مُلزم لكل إنسان، فمن الناس من يحدث العلم في نفسه بما هو أقل من خبر الواحد الذي نتحدث عنه، لكن لا يكون ذلك حُجَّة على أحد، فمن رأى في حديث الآحاد علم يقيني إنما يُلزم نفسه بذلك ولا يجوز أن يُلزم به غيره، فحديث الآحاد لا تَثْبُتُ به عقيدة يُكَفَّرُ جاحِدُها، فإن الله تعالى لم يُكلف عباده عقيدةً من العقائد عن طريق من شأنه ألا يفيد إلا الظن، من هنا كانت فتوى شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت من “أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات. قولٌ مُجْمَعٌ عليه وثابتٌ بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء! ([9])
وينتقل بنا الشيخ من سؤال صعب عن السُنة إلى سؤال آخر حولها: هل يوجد المتواتر في الأحاديث المروية في الكتب المدونة؟
ويُجيب بأنّ العلماء اختلفوا في ذلك إلى قسمين: الأول يقول إنه لا يوجد حديث متواتر فيما رُوي لنا من الأحاديث ودُوّن في كتب الحديث، باستثناء ما جاء في السُنة/الطريقة العملية، ولعل هؤلاء بنوا رأيهم هذا على اشتراطهم في التواتر: أن يرويه قوم لا يُحصى عددهم، ولا يُتوهم تواطؤهم/اتفاقهم على الكذب؛ لكثرتهم، وعدالتهم وتباين أماكنهم، ويدوم هذا في وسط إسناده وآخره وأوّله. فيقول ابن الصلاح: “لا يكاد يوجد المتواتر في رواياتهم فإنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه، ومن سئل عن إبراز مثال له فيما يروي من الحديث أعياه تطلبه، وحديث “إنما الأعمال بالنيات” ليس من ذلك بسبيل، وإن نقله عددُ التواتر وزيادة، لأن ذلك طرأ في وسط إسناده، ولم يوجد في أوله على ما سبق ذكره.
نعم حديث “من كَذَبَ عليَّ” نراه مثالًا لذلك، فإنه نقله من الصحابة رضي الله عنهم العدد الجَمُّ وهو في الصحيحين مرويٌ عن جماعة منهم نحو أربعين رجلًا من الصحابة، وذكر بعض الحفّاظ أنه رواه عنه صلى الله عليه وسلم اثنان وستون نفسًا من الصحابة وفيهم العشرة المبشرون بالجنة، ولا يُعرف حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيًا إلا هذا الحديث الواحد”. ([10])
وعلى النقيض رأى القسم الثاني من العلماء أن المتواتر كثير في هذه كتب الحديث. قالوا: “إن هذه الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا مقطوعٌ بصحة نسبتها إلى مُصنفيها، فإذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقه تعددًا تُحيل العادة معه تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد ذلك العلم اليقيني بصحة نسبته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب كثير. يُنظر مسلم الثبوت، والتحرير، ومقدمة ابن الصلاح”.([11])
ثم يعود ويستدرك الشيخ على مَن قال بأنّ هناك أحاديثَ متواترةً في كتب الأحاديث بأنّه لا يحكم لحديث بالتواتر -حتى على أكثر هذه المذاهب توسعا– إلا إذا اجتمعت فيه الشروط الآتية:
1- أن تخرجه جميع كتب الحديث المشهورة المتداولة.
٢- أن تتعدد طُرق إخراجه تِعْدَدًا تُحيلُ العادةُ معه التواطؤ على الكذب.
٣- أن يثبت هذا التعدد في جميع “طبقاته” أول إسناده وآخره ووسطه.
وبِناء على ذلك، فالحديث الذي لم تُخرجه جميعُ الكتب المتداولة المشهورة، أو أخرجتْه جميعها، ولكن لا بطرق متعددة، أو أخرجته بطرق متعددة لكن لا في جميع الطبقات، بل في بعضها دون بعض، لا يكون متواترًا باتفاق العلماء أجمعين!
من جانب آخر، استوقف الإمام محمود شلتوت ظاهرة غريبة شاعت بين الناس، وهي الإسراف في وصف الأحاديث بالتواتر حتى أنّهم أدخلوا المعجزات الحسية وعلامات الساعة في المتواتر وهي أخبار ظنية لم يَثْبُتْ تواترها. فعلى الرغم مما قرّره العلماء في شأن المتواتر تحديدًا ووجودًا، وعلى الرغم من هذا التّحفظ الشديد في الحُكْم لحديثٍ مما دُوِّنَ في الكتب بالتواتر، نرى بعض المؤلفين قديمًا وحديثًا يُسْرفون في وصف الأحاديث بالتواتر، أو بأوصاف أخرى مثل الشهرة وأن الأمة تلقتها بالقبول والثبوت، ويُبالغون في التجاوز والشطط، فيُؤكدون تواتر أو شهرة الحديث بذكْر أسماء الصحابة والتابعين والأئمة ومؤلفي الكتب الذين نقلوا الحديث، وهم يعلمون أنها أحاديث ضعيفة لا تصبر على النقد، وأن هذه الأسماء التي يحرصون على جمْعِها تُوجد في كل حديث حتى في الأحاديث الموضوعة، ولكنهم مع ذلك يجمعونها، ويجتهدون في عدّها وإحصائها وذكر الكتب التي اشتملت عليها؛ لأنهم يريدون أن يخطفوا أبصار العامة، ويستغلوا عاطفتهم الدينية، ويزعموا لهم أن هذا الحديث أو تلك الأحاديث إن كانت قد وردت عن نبيكم في هذه الكتب الكثيرة وعلى لسان هذا الجمّ الغفير من الرواة بين صحابة وتابعين فهي متواترة لا شك في تواترها، وهي متصلة بالرسول لا شك في اتصالها، ومن حاول الطعن فيها، أو الحطّ من درجتها، فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وحاد عن سبيل المؤمنين!
وهنا يأتي سؤال لماذا هذه الظاهرة؟ لماذا تُوصف أحاديث آحاد بأنها متواترة؟ لماذا ظاهرة التوسّع في القول بتواتر الأحاديث؟ لماذا تُوصف أحاديث علامات الساعة ونهاية العالم بأنها صحيحة مشهورة وهي ظنية لم يَثْبُتْ تواترها؟
يرى الشيخ محمود شلتوت أن ثمّة أسبابًا تقف وراء ذلك:
منها، وقد يكون أقلّها خطرا، اشتهار الحديث في طبقة أو طبقتين فتسحب الشهرة على جميع طبقاته، ويحكم عليه حكمًا عامًا بالتواتر أو الشهرة من غير تحقيق ولا تمحيص، وقد لا يصل الحديث إلى حدّ الشهرة في طبقة ما، لكنه جاء في “الخلافيات” فقهية أو كلامية فتعصّب له أتباع المذاهب، وخلعوا عليه وصف الشهرة أو التواتر تأييدًا لمذهبهم، وتناقلته الكتب، موصوفًا بذلك منسوبًا إلى جَمْعٍ من رجال الرأي والمذهب فيخاله الناس مشهورًا أو متواترًا وهو ليس بمتواترٍ ولا مشهورٍ!
لقد كان للقائمين “بالترغيب والترهيب” ونقل الملاحم والفتن وغرائب الأخبار التي تميل النفوس إلى التحدث بها والاستماع إليها، أثرٌ عظيمٌ في خلع أوصاف الشهرة والتواتر على أنواع خاصة من الأحاديث التي ليست بمشهورة ولا متواترة، بل ربما كانت غير صحيحة [وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: أربعة أحاديث تدور بين الناس في الأسواق ولا أصل لها.”([12]) وقد تأثرت بذلك طبقة من الخاصة لم تُعْنَ بتحقيق الرواية، ولا بمعرفة درجة الحديث، واكتفت بنقل ما يقوله هؤلاء وإجرائه على ألسنتهم وفي كتبهم حتى شاع واشتهر.
وإنما استباحوا ذلك معتمدين على ما قرره بعض علماء المصطلح من “جواز التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الحديث الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة ([13]) من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما، وذلك مثل: المواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب مما لا تعلق له بالأحكام والعقائد. ([14])
وبذلك رووا الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة، ثم توسعوا فوصفوا الآحاد بالتواتر، والضعيف بالصحيح، وتناسوا مقاييس المتواتر والآحاد، ومقاييس الصحيح والضعيف، ومن هنا رأينا من يصف “المعجزات الحسية” كانشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وكلام الغزالة، وحنين الجذع بالتواتر مع أنّها غير متواترة، وإنما هي آحاد كما قرره علماء الأصول. وكذلك رأينا من يصف بالشهرة أو التواتر أخبار المَهْدي، والدجال، ويأجوج ومأجوج، وغيرها مما يُطلقون عليه “أشراط الساعة”.
ولعلّ أحقر ما رأينا من أسباب الإسراف في وصف الأحاديث بالتواتر أن قومًا من المرتزقة باسم الدين وباسم الغيرة على أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – لأنفسهم في سبيل أغراضهم الدنيا أن يصطنعوا كل أساليب التلبيس والتمويه في شأن أحاديث نزول عيسى التي لا يمكن أن يكون منها متواتر حتى على أوسع الآراء في تحققه، وهي مع كونها أحاديث آحاد يكثر ويشتد في معظمها ضعف الرواة واضطراب المتون ونكارة المعاني، فتراهم يقولون هي متواترة قد رواها فلان وفلان من الصحابة والتابعين، وذكرت في كتاب كذا وكتاب كذا من كتب المتقدمين، فإذا رأوا في بعضها ضعفًا أو اضطرابًا أو نَكَارَةً، حاولوا التخلص من ذلك فقالوا: إنّ الضعيف فيها مُنجَبِرٌ بالقوي، وأنّ العدالة لا تُشترط في رُواة المتواتر، وهكذا يخلعون عليها ثوبًا مُهَلْهَلًا من القداسة لا رغبة في علم ولا غيرة على حق، ولكن مكابرةً وعنادًا، وإصرارًا على التضليل، وليقال على السُنة العامة وأشباه العامة إنهم حفّاظ وإنهم محدثون!
ويضيف شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت أنّ تلك الأحاديث كيفما كانت ليست من قبيل المُحْكَمِ الذي لا يحتمل التأويل حتى تكون قطعية الدلالة، فقد تناولتها أفهام العلماء قديمًا وحديثًا، ولم يجدوا مانعًا من تأويلهًا. وقد جاء في شرح المقاصد بعد أن قرّر مؤلفها أن جميع أحاديث أشراط الساعة أخبار آحاد ما نصّه: “ولا يمتنع حملها على ظواهرها عند أهل الشريعة… وأوّل بعض العلماء النّار الخارجة من الحجاز بالعلم والهداية لا سيما الفقه الحجازي، والنار الحاشرة للناس بفتنة الأتراك، وفتنة الدجال بظهور الشر والفساد، ونزول عيسى –صلى الله عليه وسلم – باندفاع ذلك (زوال الشر الفساد) وبُدو الخير والصلاح …”.
ومن ذلك نرى أن السعد لا يُقرر وجوب حملها على ظواهرها حتى تكون من قطعي الدلالة الذي يمتنع تأويله، وإنما يُقرر بصريح العبارة “أنه لا مانع من حملها على ظواهرها”. فيعطي بذلك حقّ التّأويل لمن انقدح في قلبه سبب للتأويل، ثم يحدث عن بعض العلماء أنهم سلكوا سبيل التأويل في هذه الأحاديث فعلًا، ويُبيّن المعنى الذي حملوها عليه، ولا شك أن هذا لم يكن منه إلا لأنه يعتقد – كما يعتقد سائر العلماء الذين يعرفون الفرق بين ما يقبل التأويل وما لا يقبله – إن ما تدلّ عليه ألفاظ تلك الأحاديث ليس عقيدة يجب الإيمان بها، فمن أداه نظره إلى أن يُؤمن بظاهرها فله ذلك، ومن أداه نظره إلى تأويلها فله ذلك، شأن كلّ ظنّي في دلالته. ([15])
المصادر والمراجع:
([1]) البزدوي (علاء الدين عبد العزيز البخاري)، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام، شركة الصحافة العثمانية، الطبعة الأولى، إسطنبول، ١٣٠٨ هـ – ١٨٩٠ م، ج2، ص376.
([2]) المستصفى، ج1، ص145.
([3]) إحكام الفصول، ص324.
([4]) نهاية السول في شرح منهاج الأصول، ص258.
([5]) شرح الأصول الخمسة، ص769.
([6]) الوصول إلى الأصول، ج2، ص163.
([7]) ميزان الأصول، ج2، ص643.
([8]) الممتحنة، الآية 10.
([9]) مجلة الرسالة، عدد ٤٦٢.
([10]) برهان الدين الأبناسي، الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، ج2، ص435.
([11]) مجلة الرسالة، عدد ٤٦٢.
([12]) ذكر الإمام أحمد بن حنبل أربعة أحاديث مشهورة على السُنة الناس في الأسواق لا أصل لها من حيث الإسناد، وهي” مَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ آذَارَ بَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ، ومَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ، ونحركم يَوْمَ صَوْمِكُمْ، وللسائل حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَس”.
([13]) يُنظر: شمس العلماء عبد الحق الخير آبادي، شرح مسلم الثبوت، ص245:242
([14]) يُنظر: عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، مقدمة ابن الصلاح، دار الفكر سوريا – دار الفكر المعاصر بيروت، 1406/1986، ص 100:90
([15]) يُنظر: مجلة الرسالة، ص٤٤٦:٤٤٣ عدد ٥١٨، ٧ يونيو ١٩٤٣.
روابط المقال
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.