حرية الاعتقاد بين آيات الحرية وآيات القتال في القرآن الكريم.. الجزء الأول
كتب الشيخ عبد المتعال الصعيدي تسعين كتابا، تناول من خلالها أهم قضايا إصلاح الفكر الديني
قراءة في مشروع الشيخ عبد المتعال الصعيدي الفكري
يُعدّ الشيخ عبد المتعال الصعيدي (ت ١٩٦٦) أحد أبرز المجددين الذين ساروا على نهج الإمام محمد عبده، فكرّس حياته كعالم لغوي وفقيه إصلاحي لمحاربة الجمود الفكري، وتقديم اجتهادات في الفكر الديني تجعله أكثر تصالحا مع العلم والعالم، وهو، في الوقت نفسه، من أكثر مَن تعرّض للإساءة والوصم، والتهميش، والتجاهل، فيقول:
“هأنذا قد قربت من الستين، قضيتُ منها ستّا وثلاثين سنة في التدريس بالمعاهد الدينية الإسلامية والكليات الأزهرية، ولا أزال أُعاني فيها من عقوبات وهضم حقوق، ولا ذنب لي إلا أنّي نشأت أؤمن بإصلاح الأزهر، وأرى أن الإسلام في حاجة إلى حركة إصلاح تُعيده إلى ما كان عليه من حياة التجديد والنهوض، وتقضي على ما أصابه من جمود وركود”.([1])
كتب الشيخ عبد المتعال الصعيدي تسعين كتابا، تناول من خلالها أهم قضايا إصلاح الفكر الديني، وفي مقدمتها قضية “الحرية الدينية في الإسلام“، ففي رمضان 1955 نشر الشيخ عبد الحميد بخيت المدرس بكلية أصول الدين بالأزهر مقالا بعنوان: “إباحة الفطر في رمضان وشروطه” قائلا بأن الله يُخيّر القادرين على الصيام بين الصوم والكفارة بإطعام مسكين مستندا إلى ظاهر لفظ قوله تعالى “وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين”، وهذا ما رأته مشيخة الأزهر هجوما على ثوابت الدين، فقررت إحالة الشيخ إلى محاكمة تأديبية، انتهت بتراجعه عن فتواه، ومعاقبته بإبعاده عن الطلاب بنقله من عمله بالتدريس بالجامعة إلى العمل بوظيفة “كاتب” بمعهد دمنهور.
لم تنته تلك الواقعة بذلك، فقد أثارت جدلا واسعا حول قضية “حرية الاجتهاد في الإسلام“، ثم اتسع الجدل؛ ليشمل قضية “حرية الاعتقاد“، فبينما رأي مفكرون مصريون ما قام به الشيخ بخيت حقا مشروعا، وأنّ حرية الاجتهاد والتفكير لا تُخالف تعاليم الإسلام، رفض الأزهريون هذا الموقف، وفي مقدمتهم الشيخ “عيسى منون” (ت1957) شيخ (عميد) كلية الشريعة وكلية أصول الدين بالقاهرة وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر،([2]) فنشر في مجلة الأزهر مقالا بعنوان “متى يجوز الاجتهاد ومتى لا يجوز” مؤكدا فيه أنّ محاكمة الشيخ بخيت حق شرعي وقانوني للأزهر، وأنّ ما فعله الشيخ بخيت هو إنكار لما هو ثابت لا يجوز الاجتهاد فيه، وأنّ حكمه هو أن يُستتاب؛ لذا كانت الشدّة والتأديب من الأزهر له حتى تاب وعاد عن اجتهاده، فلا يجوز لمسلم أن يُدافع عنه أو يؤيده تحت مسمى حرية الفكر، لأنّ هذا اعتداء على الدين، وعلماء الإسلام متمثلين في الأزهر مهمتهم الدفاع عن الدين، فالأزهر هو من يُحدد مَن له حقّ بيان أحكام الشريعة الإسلامية، لأنها مثل صناعة الطب، فالخطر على الأديان كالخطر على الأبدان. ([3])
وإذ يعترف الشيخ منون بأن الدين صلة بين العبد وربّه إلا أنّه يشترط أن تكون تلك الصلة وفق ما أجمع عليه المسلمون وإلا كانت تمردا على الدين وعصيانا لله؛ لذا فإن الله شرع عقوبات وحدود للمخالفين للأحكام الشرعية الحتمية، المعلومة من الدين بالضرورة مما لا مجال للاجتهاد فيها، فيكفر ويرتد من يُخالفها؛ لأنه يُكذّب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن يُكذبه فقد كفر، وحكمه حكم المرتد، وهو التفريق بينه وبين زوجته والقتل”. ([4])
رفض الشيخ الصعيدي محاكمة الشيخ بخيت على اجتهاده، رغم اختلاف الصعيدي مع نتائج هذا الاجتهاد، فكتب كتابا بعنوان “اجتهاد جديد في آية: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين”، منتقدا في كتابه محاكمة الأزهر للشيخ عبدالحميد بخيت؛ مؤكدا أنّ الإسلام لا يعرف هذه المحاكمات، وإنما يعرف الإقناع بالدليل، مقدّما تفسيرا جديدا ثالثا في الآية، لا يتفق مع فتوى الشيخ بخيت، ولا يتفق مع التفسير التراثي الشائع، كما وجّه الصعيدي نقدا في هذا الكتاب لما جاء في مقال عميد كلية الشريعة وعضو جماعة كبار العلماء بالأزهر الشيخ عيسى منون، وقد فسّر الشيخ الصعيدي سر اختياره ما كتبه الشيخ عيسى منون دون غيره للردّ عليه بأنّ السبب: مكانة الشيخ عيسى بين علماء الأزهر فهو عضو في هيئة كبار علماء الأزهر، وعميد كلية الشريعة، ورأيه يمثل رأي علماء الأزهر إلا النادر منهم.
لم يُسلّم الصعيدي بأنّ الإسلام أوجب قتل المرتد كما استشهد عميد كلية الشريعة وعضو هيئة كبار علماء الأزهر، فعند الشيخ الصعيدي التفكير لا يُواجه بالتكفير بل بالتفكير، ويردّ على الأفكار بالأفكار، مؤكدا أن حرية الاعتقاد وحرية الاجتهاد حقوق مقدسة في الإسلام.
دخل الصعيدي بهذا في مرمى النيران، فكتب الشيخ عيسى منون مقالا ثانٍ في مجلة الأزهر عدد شعبان سنة 1375ه/1956م بعنوان: “حكم المرتد في الشريعة الإسلامية وخطر مخالفة الإجماع على الدين”، يُؤكد فيه أنه لا اجتهاد جديد بعد اجتهاد أئمة الفقه الأربعة، وأنّ الشريعة الإسلامية([5]) قررت أنّه لا حرية اعتقاد في الإسلام، وشكّك في علم الصعيدي، وقدرته على فهم القرآن الكريم، كما حذّر من أنّ دفاع بعض الصحف والمجلات عن الشيخ بخيت يصطدم بتعاليم الإسلام؛ وأنّ هذا ما دفعه لكتابة مقاله؛ ليقرر بعض الحقائق في الإسلام من أنّ سلف الأمة وخلفها أجمعوا على تقسيم أحكام الشريعة إلى اعتقادية أصلية لا يجوز الاجتهاد فيها، وأحكام عملية فقهية يجوز الاجتهاد في بعضها، وقد اجتهد الفقهاء القدامى المؤسسين للمذاهب الفقهية بما يكفي، كما أنّه لا يتصور توفّرَ شروط الاجتهاد الكثيرة الصعبة في عالِمٍ اليوم، وأنها إذا توفّرت في عالِم فغاية ما يُمكنه هو ترجيح بعض الآراء على بعض، ولا يجوز له مخالفة الأئمة المجتهدين فيما اتفقوا عليه، وإلا كان خارجا عن الإجماع، ومثل هذا لا يجوز..
وقد سخر الشيخ عيسى منون في مقاله من استعمال الصعيدي لجملة “الحرية الدينية في الإسلام”، مؤكدا أن ما أقرّه جمهور الفقهاء أنه لا حرية في الدين، وإنما إكراه بالسيف، فيقول الشيخ عيسى منون: “ما ذكرته (أي الصعيدي) من أن الإسلام جاء بالحرية الدينية غير صحيح إطلاقا، لا بالنسبة للمسلمين، ولا بالنسبة للكفار، أم المسلمون فقد تقرر في الشريعة عقوبات رادعة في الدنيا من حدود وتعازير([6]) لكل من تعدى منهم حدود الله، فتارك الصلاة يُعاقب بالقتل أو الحبس، ومانع الزكاة تُؤخذ منه قهرا. فإن كان له منعة وقوة وقاتل يُقاتَل، وهكذا.. فأين الحرية الدينية لهم؟! وأما الكفار فإن كانوا من أهل الكتاب وأمثالهم فالمطلوب منهم إما الإسلام وإما دفع الجزية احتراما لأصل دينهم، وإن كانوا من غيرهم فالمطلوب منهم الإسلام فقط، فلا حرية دينية مطلقة لهم”.
وهذا ما رفضه الشيخ الصعيدي، فكتب مقالا يردّ فيه على الشيخ منون، وذهب به إلى مدير مجلة الأزهر الأستاذ محب الدين الخطيب رئيس تحرير مجلة الأزهر،([7]) فرفض أن يمنحه حق الردّ، فاحتكم الشيخ الصعيدي إلى شيخ الأزهر عبدالرحمن تاج (ت1975) إلا أنّه لم يستجب لطلبه، وأصدر قرارا بمنع النشر حول فتوى الشيخ بخيت، فيحكي الصعيدي في مذكراته، قائلا: “قدّمت شكوى إلى الشيخ تاج شيخ الأزهر، وذكرت له الذي دار بيني وبين الأستاذ محب الدين الخطيب رئيس تحرير مجلة الأزهر، وطلبت فيه تمكيني من الردّ على الشيخ عيسى في مجلة الأزهر، والتحقيق مع رئيس تحرير مجلة الأزهر في اتهامي بمكتبه بالإلحاد، ولا أعلم إلى اليوم ما كان من أمر شيخ الأزهر في هذه الشكوى.. فلم ير إلا أن يلجأ إلى حلّ أعرج على عادة الأزهريين، وهو سدُّ باب البحث في ذلك عليّ وعلى الشيخ عيسى بمنع النشر حول فتوى الشيخ عبد الحميد بخيت”. ([8])
لم يستسلم الشيخ عبد المتعال الصعيدي، ففي أبريل 1956 كتب تحت عنوان “الحرية الدينية في الإسلام”، مكملا مناظرته الفكرية حول حرية الاعتقاد، والاجتهاد في الإسلام، مؤكدا أنّه “إذا كان هناك عقاب دُنيوي على الاعتقاد لم تكن هناك حرية دينية وهذا تشويه للإسلام وتقديمه في صورة الدين الذي انتشر بالإكراه”.
يُتبع
المصادر والمراجع:
([1]) الشيخ عبد المتعال الصعيدي، الحرية الدينية في الإسلام، دار الكتاب اللبناني – دار الكتاب المصري، القاهرة، 2012، ص182
([2]) هيئة دينية تابعة للأزهر الشريف بمصر، أُنشئت عام 1911 في عهد مشيخة الشيخ سليم البشري من كبار علماء المذاهب الفقهية السنية الأربعة، وعدد أعضائها ثلاثون عضوا، تمّ حلّها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ثم أعيد إحياؤها عام 2012 في عهد شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب.
([3]) يُنظر: الشيخ عيسى منون، مجلة الأزهر، مقال “متى يجوز الاجتهاد ومتى لا يجوز”، عدد شهر شوال، سنة 1374، ص1143، نقله الشيخ الصعيدي كاملا في كتابه “الحرية الدينية في الإسلام”، ص28:19
([4]) السابق ص1143
([5]) من المغالطات الشائعة إطلاق كلمة الشريعة الإسلامية على الفقه، في محاولة للاستعلاء بالتراث الفقهي عن سياقه الاجتماعي وحقيقته كاجتهاد بشري نسبي. (يُنظر: د. عبد الباسط هيكل، باب الله الخطاب الإسلامي بين شقي الرحى”، الفصل الثالث: الفقه صنع الله أم البشر، نيو بوك للنشر والتوزيع، القاهرة، 2017، ص145:105
([6]) التعازير: عقوبات أقلّ من الحدود متروكة لتقدير القاضي أو الحاكم.
([7]) محب الدين الخطيب (ت1969) كاتب سوري تولّى تحرير مجلة الأزهر ست سنوات ما بين عامي (1958-1952)، سبق له الإشراف على عدة مجلات منها جريدة الإخوان المسلمين منذ صدورها عام 1933 واستمرّ بها لعدة سنوات، ويصفه حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين بأنّه أهم أساتذته.
([8]) الشيخ عبد المتعال الصعيدي، حياة مجاهد في الإصلاح مذكرات الشيخ، تحقيق د. عبد الباسط سلامه هيكل، نيو بوك للنشر والتوزيع، القاهرة، 2026، ص120.
روابط المقال
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.