طه حسين والقرآن الكريم بين الاختزال الأيديولوجي والقراءة الإبستمولوجية
أحبّ أن أفكر، وأحب أن أبحث، وأحب أن أُعلن إلى الناس ما أنتهي إليه بعد البحث والتفكير ولا أكره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عنّي أو سخطهم عليّ حين أُعلن إليهم ما يُحبون أو ما يكرهون
بعد قرن من صدور كتاب “في الشعر الجاهلي”
“أحبّ أن أفكر، وأحب أن أبحث، وأحب أن أُعلن إلى الناس ما أنتهي إليه بعد البحث والتفكير ولا أكره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عنّي أو سخطهم عليّ حين أُعلن إليهم ما يُحبون أو ما يكرهون”.
بتلك الكلمات قدّم طه حسين (ت ١٩٧٣) لكتابه في الشعر الجاهلي، أحد أكثر الكتب جدلا في العصر الحديث، ورغم أهمية الكتاب في إثارة جدل معرفي بنّاء إلا أنّه تعرّض لاختزال أيديولوجي، فتعرّضت علاقة طه حسين بالقرآن الكريم بسبب الكتاب إلى اختزال من طرفين متخاصمين أوقفوا علاقة طه حسين بالقرآن عند فقرات في كتابه في “الشعر الجاهلي“؛ ليسجل كل منهما من خلالها موقفا أيديولوجيا أكثر منه إبستمولوجيا.
فعُرف طه حسين في كثير من الأوساط الدينية بأنّه المؤلف الذي أهان الدين الإسلامي، وأنكر صلة النص القرآني بوحي السماء، ففي أمّة تسمع ولا تقرأ يُسوّد الطرف الأعلى صوتا والأكثر استحواذا على وسائل التواصل الشفهي، حيث تقوم الثقافة على التلقين والترديد، واختزال ما يُسمع في كلمة، وتصنيف الناس وفق هذا الاختزال بين ملاك وشيطان، ثمّ تلوك الألسنة شائعات مكذوبة تُؤكد ملائكية هذا أو شيطانية ذاك، فيحيا إفك مفترى، من قبيل أنّ طه حسين قال: “أعطوني قلماً أحمرَ لأُصحّح لكم أخطاء القرآن”! وتموت الحقائق المسطورة في كتبه التي تحكي عن علاقته بالقرآن الكريم في مقتبل شبابه وفي شيخوخته، فيحكى عن أول لقاء جمَعه في مقتبل شبابه بالإمام محمد عبده بقوله: “لن أنسى ما حييت الدرسين الوحيدين اللذين أتيح لي أن أستمع إليهما، لم أملك نفسي عندما سمعته يتلو كلام الله في هدوء وخشوع وفي حنان ورحمة، وإذا دمعتان تنحدران فأكفكفهما، ثم أثوب إلى الشيخ، فأمنحه عقلي كلّه، وقلبي كله”. ([1])
وبعد رحلة طويلة في الحياة يتحدّث طه حسين عن أثر القرآن الباقي في نفسه، بقوله: “قد اختلفت عليّ ظروف الحياة منذ سافرت إلى أوربا، ومنذ حدثت الأحداث الخاصة والعامة في مصر، وفي غير مصر، وهي التي يتأثر بها الناس جميعاً، ولكنّي ما زلت إلى الآن على رغم هذا متأثراً أشد التأثر بأول كتاب عرفته وهو القرآن، وبثاني كتاب أحببته وهو اللزوميات“. ([2])
ويُعرّف القرآن في كتابه مرآة الإسلام الصادر ١٩٥٩ بأنه “المعجزة الكبرى التي أتاها الله رسوله الكريم، آية على صدقه فيما يُبلّغ عن ربّه.. والقول في إعجاز القرآن يكثر ويطول وتختلف وجوهه وتختلف فنونه أيضاً.. فللقرآن وجه من وجوه الإعجاز، لم يستطع العرب أن يحاكوه أيام النبي، ولا بعده، ذلك هو نظم القرآن، أي أسلوبه في أداء المعاني التي أراد الله أن تُؤدّى إلى النّاس، لم يؤدِّ إليهم هذه المعاني شعراً، كما قدمنا، ولم يؤدها إليهم نثراً أيضاً، إنّما أدّاها على مذهب مقصور عليه، وفي أسلوب خاص به لم يسبَق إليه، ولم يلحَق فيه”.([3])
عاش حسين مشغولا بدراسة القرآن الكريم، وليس أدلّ على ذلك من حجم الأبحاث والمقالات التي نشرها حوله، فبعد رحيله بخمسة وأربعين عاما، قدّمتْ حفيدته السيدة “مها عون” مخطوطا لكتابه “دنيا القرآن”، الذي كتبه على مراحل خلال الخمسة والعشرين الأخيرة من عمره، فبداية الكتاب تعود إلى محاضرة ألقاها بالإسكندرية عام ١٩٤٣ بدعوة من جمعية ”الشبان المسلمين“ بمناسبة ليلة القدر، فكان موضوع المحاضرة “الأمثال في القرآن الكريم“، وهو ما سيُصبح الفصل الأول من كتابه “دنيا القرآن” الذي عاد إليه بعد خمس سنوات ببحثه “القصص في القرآن الكريم“؛ ليكون الفصل الثاني من الكتاب، ثم بعد هزيمة ١٩٦٧ كتب فصل “مصر كنانة الله.. مكانها في دنيا القرآن”، ثم توالت الفصول حتى انتهى من مخطوط الكتاب قُبيل وفاته.
فالصورة الأدقّ لعلاقة طه حسين بالقرآن الكريم لا يُمكن حصرُها في الفِقرات التي استطرد إليها في كتابه “في الشعر الجاهلي” 1926م، بل في كامل نتاجه الفكري الذي امتدّ لنصف قرن بعد صدور الكتاب، ولسنا في ذلك نُحاول التفتيش في ضمير الرجل أو نبحث عن إيمانه فمثل هذا سقوط في هوّة محاكم التفتيش بما تُمثله من انحراف عن مسار البحث في الدراسات الإسلامية، وإنما نُحاول التعرّف على رؤية طه حسين الفكرية لمنهجية التعامل مع القرآن الكريم.
فيعود إلى طه حسين وليس تلميذه الشيخ أمين الخولي الدعوة إلى دراسة القرآن الكريم دراسة جمالية/ فنية فيما سيُعرف بمنهج التفسير الأدبي للقرآن الكريم، وقد انتبه إلى هذا شتيفان فيلد في مقدمة كتابه “القرآن كنص” The Quran as Text، والسيدة فيلاند.([4])
ففي كتاب طه حسين “في الصيف” الذي يُمثّل مجموعة من خواطره أثناء رحلته إلى فرنسا عام ١٩٣٣م دعا إلى تقديم دراسات فنية جمالية للقرآن الكريم دراسات مستقلة عمّا فيه من جوانب تشريعية وتعبدية وقضايا إيمانية مُؤكداً على أحقية النّاس جميعا أن يقرؤوا الكتب الدينية، ويدرسوها، ويتذوقوا جمالها الفني، “فليس من الضروري ولا من المحتوم، أن تكون حبراً، أو قسيسا، أو شيخا من شيوخ الأزهر؛ لتقرأ في التوراة أو الإنجيل أو القرآن، وإنّما يكفي أن تكون إنسانا مثقفا له حظّ من “الفهم” والذوق الفني؛ لتقرأ في هذه الكتب المقدسة؛ ولتجد في هذه القراءة لذّة ومتعة وجمالا، بل ليس من الضروري، ولا من المحتوم أن تقرأ في هذه الكتب المقدسة، مدفوعا إلى القراءة فيها بهذا الشعور الديني، الذي يملأ قلب المؤمن، فيُحبّب إليه درس آيات الله، ويُرغّبه في تدبرها والإمعان فيها، بل تستطيع أن تنظر في هذه الكتب نظرة خصبة منتجة؛ وإن لم تكن مؤمناً ولا ديّانا”.
ويُؤكد طه حسين على أنّ قراءة طُلّاب الفنّ والجمال الأدبي للكتب المقدّسة يُنتج للإنسانية نتائج لا ينتجها عكوفُ الأحبار والرهبان والشيوخ على قراءة التوراة والإنجيل والقرآن! فهؤلاء يقرءون متعبدين يلتمسون الدين والإيمان، فيقرأون ويفسرون ويقرّبون هذه الكتب إلى الناس من ناحيتها الدينية، وقلّما يعنون بالناحية الفنية، وقلّما يدركون دقائق هذه الناحية إنْ هم عنوا بها، أو التفتوا إليها، بينما طُلّاب الفنّ والجمال الأدبي يُمكنهم أن يفتحوا للنّاس أبواباً لحياة فنية قوية الأثر، بعيدة المدى، على غرار الآثار الفنية المختلفة التي نشأت من تأثّرِ أصحاب الذوق والفن بما قرءوا، أو ما أُلقي إليهم من العهدين القديم والجديد، وهي آثار فنية لا تُحصى منتشرة شرقا وغربا، فالكتب الدينية، والعمارات الدينية، ليست وقفاً على أصحابها وحدهم، وإنّما هي خطاب للإنسانية كلّها كغيرها من الآثار الفنية التي كان لها حظّ عظيم في تكوين نفسية الأمم والأجيال.
والإعلان عن نتائج هذا التذوق والدرس والفهم ما دام هذا الإعلان لا يمسّ مكانة هذه الكتب المقدسة من حيث كونها مقدسة؛ فلا يُنقص من مكانتها، ولا يضعها موضع الاستهزاء والسخرية والنقد، وبعبارة أوضح: لمَ لا يكون من حق النّاس أن يُعلنوا آراءهم الفنية والعلمية في القضايا التي تناولتها هذه الكتب دون أنْ ينالوا من مكانة تلك الكتب الدينية؟
“فالغربيون، كسبوا لأنفسهم هذا الحق، فهم يدرسون الكتب الدينية السماوية وغير السماوية، ثمّ يعلنون نتائج درسهم في حرية وصراحة، منهم الغلاة في التّعصب لها، والغلاة في التّعصب عليها، والمقتصدون بين أولئك وهؤلاء. أما الشرقيون، فقد كانوا أيام الأمويين والعباسيين آخذين في أسباب هذه الحرية والصراحة، يُدرسون ويُعلنون نتائج درسهم دون أن يتعرّضوا لكثير من الخطر أو الأذى، ولكنهم لم يكادوا يفقدون سلطان السياسة العربية حتى تورّطوا في شيء من الجهل والجمود حرمهم هذه الحرية والصراحة، وجعل حسّهم فيما يمسّ الدين يُصبح حاداً رقيقاً شديد التأثر، سريع الانفعال… ثمّ كان هذا العصر الحديث، ونهضت شعوب الشرق العربي؛ وطلبت حرية الرأي، كما طلبت الحرية السياسية والاقتصادية، في ذلك كلّه، ووصل بعضها إلى حظّ لا بأس به، ولكنّ الحسّ الديني ما زال في الشرق العربي رقيقاً حاداً كما كان، ولعلّه قد أصبح في هذه الأيام أشدّ رقّة وحدّة، وأسرع تأثرا وانفعالا؛ لأنّ الأهواء السياسية الناشئة قد أخذتْ تستغلّ الدين طلباً للغلب والفوز.
فاستغلال السياسة للدين في الشرق حال لا بد أن تَحول، ولا بد من أن يشعر الساسة غدا أو بعد غد بأنّ استغلال العواطف الدينية لمصلحة الأهواء السياسية شرّ يضرّ كثيرا ولا يُغني شيئا”.([5])
ولا تزال معركة كتاب “في الشعر الجاهلي” إلى يومنا يُؤججها خطابات دينية تبحث عن مشروعية مكذوبة لاستمالة الشارع باسم الدفاع الدين، بينما الدين يدعو إلى التفكير وليس التكفير والنقد والمراجعة بما يدفعنا لرفض تكوين صورة نمطية مغلوطة عن طه حسين.
عاش طه حسين بروح وثّابة فلم يستسلم للمستقبل الذي ينتظره كطفل ضرير نشأ في أسرة أقلّ من متوسطة منحته بإلكاد تعليما دينيا يُؤهله؛ لأن يكون فقيها أو مقرئا أو معلما في قرية، تمرّدُ طه حسين على واقعه لم يكن غضبا تتبعثر معه القوة النفسية، وتتشتت الملكة العقلية الناقدة، بل تمرّد مفكّر يبحث عن طرق لمواجهة الركود الفكري، وتفكيك بيئته الحاضنة.
فقد عاصر في مستهل حياته في أواخر التاسع عشر واقعا لم يكن العالم الإسلامي يعرف بيئة للتعليم الديني أحسن حالا من دروس الجامع الأزهر القديمة، ولم تكن تلك البيئة أفضل حالا من المجتمع الذي يُحيط بها، فالفكر الديني ابن بيئته يتأثّر بها كما يُؤثّر فيها، فيُصاب بالجمود، ويتحوّل إلى حالة من الترديد في المجتمعات الآسنة، ويُجدد نفسه، ويمضي بالإنسان إلى الأمام في المجتمعات الحيّة.
فالبيئة تطْبع الإنسان بطابعها، وتحمله بقوّتها وسلطانها، على أن يعيش كما تعيش، ويُفكر كما تُفكر، ورغم ذلك يظهر من الحين بعد الحين، أفرادٌ لا يتأثرون ببيئتهم، ولا يتقيدون بقيودها، بل بالعكس، يُؤثّرون هم فيها، ويقتحمون عليها حصونها، ويعيشون معها ما عاشوا في كفاح وجلاد، أولئك هم المصلحون في كلّ زمان ومكان: منهم رسل الله المبلّغون عنه، ومنهم عباقرةُ الأمم وأفذاذ التاريخ.
خرج طه حسين إلى الحياة العامة في وقتٍ كانت سطوة التمسك الحرفي بالمنجز المعرفي القديم على أشدّها، فبذور التجديد التي نثرها الرواد الأوائل من أمثال رفاعة الطهطاوي والشيخ محمد عبده صدمتْ أذهان المتمسكين بالتقليد في إنتاج المعرفة، مما دفعهم إلى محاصرتهم، فكان لابد من باحث بروح متمردة تعيد النظر في الإجابات الجاهزة المتداولة، شخصية ثائرة لا تهدأ، ولا تملّ مثل حسين تُعلن صراحة القيم التي نحتاج إليها للنهوض الحضاري، ناقلا الصراع مع التقليديين من المجالس المغلقة إلى أوساط الجماهير العريضة.
جمع طه حسين بين ثقافة تراثية وثقافة غربية تحرّك بينهما حركة بندول الساعة، فسمع في مستهل حياته العلمية دروس الشيخ المرصفي ودروس المستشرق “فللينو”، وعندما تقدّم للحصول على أول درجة دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية وفق نظام التعليم الحديث جعل ميدان دراسته التراث القديم باختياره لشعر أبي العلاء، فاختار من التراث النماذج الأكثر عقلانية؛ لتكون موضوعا لدراساته، فاهتمامه بأبي العلاء وابن خلدون والثورات الاجتماعية الباحثة عن العدالة مثل ثورة الزنوج يعكس التزاما أصيلا منه بالتواصل مع التراث في وجهه العقلاني، فلم يكن حسين ممن يُرضي العامة، ويُدغدغ مشاعرهم باختيار النزعات اللاعقلية في التراث، وما أكثرها في تراثنا، فمواقف طه حسين ليست تنكّرا لثقافة أمته قدر كونها ترشيدا لمسارها.
وكما استوعب طه حسين تراثه، ودافع عنه، وأنتج حوله العديد من الدراسات اتّسع أفقه للتراث العالمي، وتحمس للثقافة الإنسانية، على حدّ قوله: “إن حياتنا متصلة بحياة الشعوب الأخرى متأثرة بها، ومؤثرة فيها سواء أردنا ذلك أم لم نُرد بعد أن ألغيت الآماد والأبعاد”، فدافع عن تدريس الآداب واللغات القديمة بما في ذلك اللاتينية والأدب اليوناني القديم، وفتح المجال لأول مرة في العالم العربي لتدريس الآداب واللغات الشرقية في الجامعة، ونقل الثقافة المسرحية، وأسهم في نشرها بدعمه تأسيس الفرقة القومية المصرية للتمثيل سنة ١٩٣٥، التي أسندت إدارتها إلى خليل مطران حتى سنة ١٩٤٢، وقد أثارت الفرقة جدلا وقت ظهورها إلا أنها استطاعت الصمود، وقدّمت في أول عروضها ثلاثة أعمال من ترجمة الدكتور طه حسين، أعقبها مسرحية “أهل الكهف” لتوفيق الحكيم.
فلا يُمكن أن ننظر إلى كتابه في الشعر الجاهلي منفصلا عن تكوين حسين الفكري وموقفه من التراث ولا بعيدا عن الواقع الحزبي السياسي في تلك الفترة، فلم يكن كتاب الشعر الجاهلي الصادر ١٩٢٦ المرة الأولى التي يُتهم فيه طه حسين، ففي سنة ١٩٢٤ انعقد البرلمان المصري؛ لاتخاذ إجراءات صارمة ضد طه حسين بتهمة إهانته للإسلام لنشره مقالا يتحدث فيه عن الانحلال الأخلاقي في دولة الخلافة العباسية، إلا أن سعد باشا زغلول كان له موقف مختلف عن موقفه من كتاب “في الشعر الجاهلي” فوقف حائلا دون أي إجراءات تُتخذ ضد الكاتب، فالمعارك الفكرية ليست منفصلة عن السياق السياسي والاجتماعي الذي قد يكون محفّزا محرّضا أو مثبّطا مهدئا.
ففي سنة ١٩٢٤ كانت الخلافة العباسية إسلاما، والحديث عن إحدى مظاهر الحياة الاجتماعية في تلك الدولة يُعدّ إهانة للإسلام، بينما اليوم لم تعد الخلافة العباسية جزء من الإسلام المقدّس ومن ثمّ تتحدث الكتب التعليمية عن شعر المجون والخمريات في العصر العباسي دون أي مساءلة برلمانية، وفي المستقبل سيصبح كثير مما نظنه إسلاما لا يعدو عن كونه فكرا كُتب حول الإسلام وليس هو الإسلام..
لم يقف الأمر في عام ١٩٢٤ عند هذا الحدّ، فعندما نشرتْ الصُحف أن طه حسين سيُمثّل جامعة فؤاد (جامعة القاهرة) في مؤتمر أكسفورد أرسل بعض الشيوخ برقيات لرئيس الوزراء يستغيثون به ألا يسمح لطه حسين بالسفر، وطالب أحد أعضاء مجلس الشيوخ أن تُؤلّف لجنة تستوثق من أنّ حسين لن يُعرض الدين للخطر.
في أعقاب هذا الهجوم تقدّم طه حسين باعتذار لمدير الجامعة عن السفر إلا أنّ رُفض اعتذاره، يقول حسين: “سافرت مغيظا محنقا على هؤلاء الناس الذين يتخذون الدين والسياسة وسيلة للكيد، وبث الفساد في الأرض، وإنهم ليعلمون حق العلم إن الدين أثبت وأمكن من أن يعرضه للخطر رجل كائنا من كان، وإنهم ليعلمون حق العلم أن هذا الرجل الذي يكيدون له، ويسعون به، أحرص منهم على سلامة الدين، والتمكين له في الأرض، وأقدر منهم على ذلك، وأحسن منهم بلاء في حمايته، والذود عنه، ولكنهم بين مأجور وموتور”.([6])
لم يمض سوى عامين، أحيل بعدها طه حسين للتحقيق في أعقاب صدور كتابه “في الشعر الجاهلي”، ففي يوم ١٩ أكتوبر ١٩٢٦ بدأت التحقيقات حول أربع اتهامات موجهة إليه: إهانة الدين الإسلامي بتكذيب القرآن في إخباره عن إبراهيم وإسماعيل، والزعم بعدم إنزال القراءات السبع من عند الله، وإنما قرأتها العرب حسب ما استطاعت، والطعن في نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وإنكار أولية الإسلام في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم، وجاءت هذه الاتهامات في ثلاث بلاغات: الأول تقدّم به إلى النائب العام الشيخ خليل حسنين الطالب بالقسم العالي بالأزهر يوم ٣٠ مايو ١٩٢٦، يتهم فيه الدكتور طه حسين الأستاذ بالجامعة المصرية بأنه ألّف كتابا أسماه “في الشعر الجاهلي”، ونشره على الجمهور، وفى هذا الكتاب طعنٌ صريح في القرآن العظيم، حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم”. والبلاغ الثاني من شيخ الأزهر في ٥ يونيو سنة ١٩٢٦، فجاء في تحقيقات النيابة، أن شيخ الأزهر قدّم للنائب العام تقرير علماء الجامع الأزهر عن الكتاب، يتهمونه بأنه “كذب فيه القرآن صراحة، وطعن فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى نسبه الشريف، وأهاج بذلك ثائرة المتدينين، وأتى فيه بالنظم العامة، ويدعو الناس للفوضى، وطلب تقديمه للمحاكمة” والبلاغ الثالث تقدم به عبد الحميد البنان عضو مجلس النواب في ١٤ سبتمبر ١٩٢٦ يتهم فيه طه حسين بالطعن والتعدي على الدين الإسلامي.
وهو ما دعا “محمد نور بك” رئيس نيابة مصر للتحقيق في القضية التي عُرفت بقضية “الشعر الجاهلي”، وفي يوم ٣٠ مارس ١٩٢٧ انتهى إلى حفظ القضية المتهم فيها الدكتور طه حسين إداريا، منتهيا إلى أنّ العبارات التي يقول المبلغون إنّ فيها طعنا على الدين الإسلامي، إنما جاءت في كتاب في سياق الكلام على موضوعات كلها متعلقة بالغرض الذى ألف من أجله، فلأجل الفصل في هذه الشكوى لا يجوز انتزاع تلك العبارات من موضعها، والنظر إليها منفصلة، وإنما الواجب توصلا تقديرها تقديراً صحيحاً بحثها حيث هي في موضوعها من الكتاب، ومناقشتها في السياق الذى وردت فيه، وبذلك يمكن الوقوف على قصد المؤلف منها وتقدير مسؤوليته تقديرا صحيحا”.([7])
وأنّه استمع إلى طه حسين، وحول ما إذا كان استنتج الكلام الذى جاء في كتابه أم نقله من غيره، قال: “هذا فرض فرضته دون أن أطلع عليه في كتاب آخر، وقد أخبرت به بعد أن ظهر الكتاب أن شيئا مثل هذا الغرض يوجد في بعض كتب المبشرين، ولكنى لم أفكر فيه حتى بعد ظهور كتابي، وقال إن كلامه ليس فيه طعن في نسب النبي، وأنه لا ينكر أن الاسلام دين إبراهيم، ولا أنه له أولية في بلاد العرب، وأن ما ذكره هو رأى القصاص فقد أنشأوا حوله كثيرا من الشعر والأخبار»، وعن القراءات السبع المجمع عليها قال: ”إن القراءات نزلت بلغة قريش، ولكن القراء من القبائل لم يكادوا يتناولونه بلهجاتهم حتى أمالوا فيه حيث لم تمل قريش“، وحول اتهامه بالطعن في الدين، قال: «ما ورد في كتابه هو على سبيل البحث العلمي من غير تقيد بشيء، وأنه كمسلم لا يرتاب في وجود إبراهيم وإسماعيل، ولا فيما جاء عنهما في القرآن”.([8])
بهذه الكلمات انتهت التحقيقات وسقطت التهم قضائيا لكن ظلت متداولة في الثقافة الإسلامية التي يُسيطر عليها جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين، التي تتوحد مع الإسلام، فلم تستفد من نقاط القوة التي يحملها الكتاب ولا من مراجعات الكاتب لنقاط الضعف، فقد أعاد طه حسين النظر في كتابه في الشعر الجاهلي ٢٠٢٦، فحذف من طبعته الثانية التي صدرت بعنوان “في الأدب الجاهلي” ٢٠٢٧ الفقرات التي تحمل تشكيكا في الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبنائهما للكعبة، وكأن طه حسين قد أدرك أنّه إذا كان لا يوجد دليل أثري أو وثائقي أركيولوجي مباشر يثبت وجود إبراهيم كشخصية تاريخية، إلا أنه كذلك لا يوجد أيضًا دليل يثبت أنه شخصية خيالية، فغياب الأدلة ليس دليلًا على عدم الوجود، فالأنبياء عاشوا في مجتمعات رعوية كما تحدّث النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “ما بُعث نبي إلا وهو يرعى الغنم” فلا يتصور في تلك البيئات المغرقة في القدم والبدائية الاجتماعية أن نجد حفرية تحكي لنا عن الوجود التاريخي لهم، كما أن النصوص التي تروي قصة إبراهيم عليه السلام وصلت إلى شكلها المكتوب النهائي بعد زمن إبراهيم بقرون طويلة، وهذا لا يعني أن القصة مختلقة بالضرورة، لكنّه يعني أن بين الأحداث وتدوينها فجوة زمنية كبيرة، وهو ما يجعل التحقق عبر الدليل الأركيولوجي غير ممكن.
حسين أدرك أنّ القرآن الكريم عندما يحكي عن الأنبياء وأممهم يُقدّم نوعا مستقلا بنفسه، منفصلا عن غيره من السرديات التاريخية، فتاريخهم ليس من قبيل التاريخ الطبيعي القائم على استقصاء مجموعة من الكائنات الحيّة ضمن بيئتها الطبيعية، ولا التاريخ الاجتماعي القائم على تتبع تطوّر تشكّل جماعة اجتماعيا في منطقة جغرافية ما.. فالتاريخ الديني مُوغل في القدم يعود إلى آلاف السنين، محوره قصص الأنبياء لاسيما أنبياء بني إسرائيل، والملوك، والحكّام، والصالحون، والآثمون، يُجملها القرآن الكريم مستهدفا العِبرة، والعظة، “لَقَدۡ كَانَ فِی قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٌ لِّأُوْلِی ٱلۡأَلۡبَـابِ” [يوسف:١١١]، محذرا من الشرّ، داعيا إلى الخير، فيتسق قصص الأنبياء في ذلك مع غاية القرآن الكبرى، وهي “الهداية” “ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ” [البقرة:٢] فالقرآن الكريم كتاب هداية، وليس كتابا في تاريخ الحضارات، ولا في جغرافيا الأمم، وأنّه يُخطئ كلّ من يُحاول أن يستنبط منه علوما طبيعية أو اكتشافات ونظريات، وأن التاريخ الديني يختلف عن التاريخ العلمي السياسي والحضاري المعتمد على الاكتشافات والحفريات؛ لذلك لم يُعرّف التاريخ الديني بحضارات الفينيقيين، والبابليين، والسومريين، والمصريين؛ أو تفاصيل عن حضارات العرب في بلاد اليمن، وإنما الاكتشافات الحديثة هي التي عرّفتْ بها.
فالتاريخ الديني والتاريخ الاجتماعي يمضيان في طريقين مختلفين؛ فمن الخطأ الدخول في مقارنات أو مقاربات بينها، ومن الخطأ اعتقاد مطابقتهما، أو الدخول في مفاضلة بينهما، فلا يُمكن لباحث في قصص الأنبياء أن يتحول إلى جيولوجي وجغرافي وطبيعي وفلكي وآثاري، يقطع بالأدلة حقيقة القرية التي ذكرت إحدى عشرة مرة في القرآن الكريم في سياق الحديث عن الأنبياء وعلاقتهم بأقوامهم.
ويظلّ السؤال المتكرر: هل يُعقل أن يُمثّل التفكير خطرا على الدين! وهل يُعقل أن يُعرّض الدينَ للخطر رجلٌ كائنا من كان! كيف يتصوّر بعضنا الإسلام هشّا ضعيفا يُهدده فكر أو ينال من مكانته شخص! إنّ الهشاشة والضعف في نفوس هؤلاء الذين يُسقطون حالتهم النفسية على الإسلام!
لم ينتبه الخطاب السجالي المحرّض على الانفعال وليس التفكير إلى نقاط القوة في كتاب “في الشعر الجاهلي” التي من الممكن أن نبني عليها، فالكتاب يعكس منهجا بحثيا جديدا على الفكر العربي حينها، فانتقل حسين من التسليم بما قاله القدامى والاكتفاء بالنقل والرواية إلى الشكّ المعرفي والتفكير النقدي والنظرة التحليلية، فيقول في مستهلّ كتابه: “القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كلّ شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاما… يجب حين نستقبل البحث على الأدب العربي وتاريخه أن ننسى عواطفنا القومية، وكلّ مشخصاتها، وأن ننسى عواطفنا الدينية وكلّ ما يتصل بها، وأن ننسى ما يُضاد هذه العواطف القومية والدينية، ولا نُذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح”.
تمسكُ طه حسين بضرورة المعرفة من أجل الفهم، وضرورة الشكّ المعرفي لبناء سؤال بحثي حقيقي، وضرورة التجرد من الهوى حتى يسطعَ نُور العقل من خلف أسوار الخرافة والقهر مثّلَ خطرا على دوغمائية/ الجزْم لدى “جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين”، فروّجت الشائعات حول نتاجه الفكري مما حرم العقلَ المسلم من فرصة التعاطي المبكر معه والبناء عليه بعد نقده نقدا علميا.
مثّلت منهجية طه حسين حينها منهجية جديدة بالنسبة للمنشغلين بالدراسات العربية والإسلامية، فمازال جانب منهم إلى يومنا لا يقومون بدور الباحث المفكّر لكن بدور الواعظ المتأمل، والوعْظ إذا دخل في البحث العلمي أفسده؛ لأنّ الوعظ يعتمد على تحسين أو تقبيح إطلاقي عام مرسل يقيني، لا تعرفه لغة العلم، فهم لا يبحثون فيما يُحقق وعي علمي بالتراث، بل يستظهرون ما قاله القدامى كمُقدماتٍ لنتائجَ جاهزةٍ قد حددوها مسبقاً، ويُطْلون المقدمات والنتائج بطلاء حداثي، بِحَشْوِ البحثِ أو المقالِ العلميِّ ببعض الكلمات والجمل الحديثة، فيظهر وكأنّه يكتشف جديداً، بينما هو يُمارس دور الحُواة، حين يُخرجوا ما سبق أن أخفوه في ثيابهم، لينالوا إعجاب الناس، والذي خبّأه الباحث في هذه الحالة ما قاله القدماء في القضية نفسها.
يصدر أمثال هؤلاء الباحثين في دراساتهم الإسلامية عن يقين كبيرٍ في أنّهم يُحيطون بالعلم الشرعي، ظنّاً منهم أنّ عروبة لسانهم كافية لمنحهم قدرةً، دونَ غيرهم، على فهم القرآن الكريم، وتراث علماء المسلمين، وهذا ما يجعلهم يشعرون بالاشمئزاز من كل منهج جديدٍ لا يعرفونه، ويتّهمون كلّ مختلفٍ عنهم، ويتصدّون له بعنفٍ شديد؛ خوفا من أن يُزعزع ثقتهم بعلمهم ونظرتهم للعالم، فلديهم عقل متأكّد من كل شيء؛ لذا فهم خاملون لا يبحثون عن شيء جديد، لا يهزّهم ولا يُحرّكهم الإخفاق الحضاري الذي نعيشه منذ مئات السنين، ولا المشكلات الاجتماعية التي تُحيط بنا، متجاهلين أنّ “كل ّ المشاكل الناجمة عن أسلوب ومستوى معين من التفكير لا يُمكن أن تُحلّ ما دُمنا مُصرّين على اعتماد نفس الأسلوب في التفكير” على حدّ قول ألبرت آينشتاين. فضعْف منظومة القيم الإسلامية وعزلة اللغة العربية في مجتمعاتنا يكمن خلفه أسلوبٌ ومستوى معين من التفكير في أقسام الدراسات الإسلامية والعربية بجامعاتنا، ولا أمل في التغيير ما دُمنا مُصرّين على الأسلوب نفسه.
فنحن في أمسّ الحاجة إلى تفكير مختلفٍ، على غرار ما قدّمه ابن رشد لأوروبا في بدايات نهضتها، فنقلت عنه فكرة الإنسان الباحث القادر على إنتاج المعرفة، والتأثير في المجتمع، وقبول الاختلاف النابع من اختلاف القدرات وتعددية النظر والتأويل، وعلى غرار ما فعله “دي سوسور” عندما أعاد النظر في المسلمات الشائعة حول طريقة عمل اللغة في عددٍ من المحاضرات جمعها طلابه بالكاد في كتابٍ هو مجمل نتاجها العلمي؛ لتبدأ به الدراسات اللغوية الحديثة، لكن من المؤسف أنّ كثيرا من الباحثين في جامعاتنا استوقفهم ثمرة فكر ابن رشد ونتائج دي سوسور ولم يشغلوا أنفسهم بآليات التفكير ذاتها، وهذا النهج بعينه هو نهجنا في التعامل مع الفكر شرقيا كان أم غربيا، لا نتعامل معه بوصفه فاعلية متحركة ديناميكية نحتاج إلى التدرب عليها، بقدر ما نهتمّ بالنتائج النفعية المباشرة.
يظنّ هؤلاء الرافضون لدراسة التراث بتفكير نقدي وأدوات بحث معاصرة أنّ المعرفة تبدأ من حشد المعلومات والتفاصيل، وإعادة ترتيبها؛ لتبدوَ وكأنّها شيئا مختلفا، والواقع أنّه ينطلق في تفكيره البحثي من نقطة زمنية وواقع معرفي لم يعد له وجود، فحوسبة المعلومات قضت على آمال البحث التقليدي، فماذا عساه أن يُقدّم والموسوعات الضّخمة في المعاجم وكتب الحديث والفقه والشعر وغيرها من علوم التراث تنتشر على فضاء الانترنت! فأقصى ما يُقدّمه البحث التقليدي في التراث هو إعادة تحقيق بعض مخطوطاته مستفيداً من ثورة الحوسبة المعلوماتية؛ غير مُبالٍ أحيانا بأنّ موضوعات بعض المخطوطات مثل تفضيل مذهب فقهي على آخر، أو جدل حول مسألة كلامية لا تُمثّل إضافة إلى واقعنا المعرفي، ولا تُجيب عن تساؤلات المجتمع المُلِحّة!
يُعد كتاب طه حسين في طبعته الأولى “في الشعر الجاهلي”، والطبعة الثانية “في الأدب الجاهلي” نقطة تحوّل في مسار دراسة التراث، فقد حاول حسين في محاضراته حوله تاريخ الأدب العربي التي ألقاه على طلابه قبل أن ينشرها في هذا الكتاب أن ينتقل بالنقد من الانطباعات الذاتية إلى التحليلات العميقة الموضوعية، فرأى حسين أن نقدنا لنقد القدماء “لا يتجاوز النقد اليسير الذي نكتفي فيه بأن نقول أخطأ الأصمعي أو أصاب، ووفق أبو عبيدة أو لم يوفق.. فأغلقوا على أنفسهم باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء في الفقه والمتكلمون في الكلام”، فلا يكاد يسلم حسين ببديهية ما ورثناه عن الرواة إلا بعد تمحيص دقيق ومساءلة، كما أن الكتاب يحمل إرهاصا بعلم اللغة الاجتماعي في نسخته العربية، فيرى حسين اللغة كائنا اجتماعيا حيّا يتطوّر، ويتشكل طوعاً لمقتضيات حياة أصحابها، فهناك مسار متحرك متطور لدلالات الألفاظ، وليست اللغة قوالب جامدة ثابتة كما نراها عندما ننظر في المعاجم بحثا عن معاني الألفاظ.
حاول طه حسين في هذا الكتاب أن يكشف آفة العقل العربي أسير المنطق الأرسطي الذي يظنّ أننا، عندما نقول اللغة العربية أو العرب، نُحيل على موجود محدد ثابت في الوجود الخارجي بينما الحقيقة أننا نُحيل على تصورات معرفية بُنيت حول مدلولات هذه الكلمات وأنّ ثمة اختلاف وتنوع مشروع بين تلك التصورات، كما أنّ نتائج البحث في الدراسات الإسلامية والعربية التراثية لم تسلم من الأحكام العامة المطلقة أو العبارات المختزلة، فأعاد طه حسين طرح السؤال حول مسلمات عامة متعالية على سياقاته التاريخية، وأخضع الروايات المتوارثة المفتقرة للسند التاريخي لمنهج النقد العلمي، فتناول قضية أصالة الشعر الجاهلي، وتمثيله للحياة العربية وقضية نشأة اللغة العربية وتقسيمها إلى قحطانية وعدنانية، فرأى أن الكثرة المطلقة مما نُسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فالشعر الجاهلي لا يُمثّل الحياة الدينية أو العقلية للعرب في ذلك العصر، بل هو أبعد ما يكون عن تصوير اللغة العربية في الطّور الذي يزعم الرواة أنّه قيل فيه، فهو “تلفيق تاريخي” صيغ في عصور تالية ليعبر عن أغراض لم تكن قائمة وقتها، كما طعن حسين في صحة الشعر الجاهلي المنسوب لليمنيين، مؤكدًا أن تشابه لغته مع لغة قريش يثبت أنه منتحل ومصنوع بعد الإسلام وليس انعكاسًا لواقع لسانهم القديم، فمن غير المنطقي أن يتحدث شعراء اليمن (القحطانيون) بنفس اللغة التي يتحدث بها شعراء الحجاز (العدنانيون) إذا كانت لغاتهم في الأصل مختلفة تماماً، فكيف لا نجد فرقاً بين شعر القحطانيين وشعر العدنانيين، وهذا يثبت من منظوره أنّ هذا الشعر “ليس من القحطانية في شيء”، بل هو شعر “انتحل” (أُلف) بعد الإسلام لغياب الفوارق اللغوية في الشعر، ونُسب للجاهليين لأسباب سياسية وقبلية ودينية.
ورأى حسين القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية، على سبيل المثال: لم يظهر الشعر الجاهلي تنوع الحياة الدينية قبل الإسلام كما ظهرت في القرآن الكريم، ففيه “ردّ على الوثنيين فيما كانوا يعتقدون من الوثنية، وفيه رد على يهود ونصارى وصابئة العرب، وهو لا يردّ على يهود فلسطين، ولا على نصارى الروم، ومجوس الفرس، وصابئة الجزيرة وحدهم، وإنما يردّ على فرق من العرب كانت تُمثلهم في البلاد العربية نفسها.. وهذا يُفسّر قوة المواجهة الوثنية واليهودية للنبي، وضعف المواجهة المسيحية؛ لأن البيئة التي ظهر فيها النبي لم تكن بيئة نصرانية، وإنما كانت وثنية في مكة، يهودية في المدينة، ولو ظهر النبي في الحيرة أو في نجران للقي من نصارى هاتين المدينتين مثل ما لقي من مشركي مكة ويهود المدينة”.
لم يكن طه حسين أول من استوقفه ظاهرة الانتحال، فأشار إليها قديما ابن سلام الجمحي في كتابه “طبقات فحول الشعراء” إلا أن طه حسين أعادها للتداول الثقافي والبحثي عندما وسّع دائرة الانتحال؛ لتشمل معظم الشعر الجاهلي؛ وأضاف دوافع جديدة دينية وأخرى سياسية بخلاف ما قاله القدامى من أن الدافع إليه التعصب القبلي، والرواة الوضّاعين الذي انتحلوا شعرا بهدف التكسب وإثبات قدرتهم اللغوية من أمثال خلف الأحمر وحمّاد الراوية، وقد رأى كثير من النقاد أن حسين ذهب مذهباً مبالغاً فيه، رغم تسليمهم بوجود ظاهرة “الانتحال”.
ومن القضايا التي أصرّ عليه طه حسين في نسختي الكتاب: في الشعر الجاهلي، وفي الأدب الجاهلي قضية عدم صحة تقسيم الرواة للعرب تاريخياً ولغوياً إلى قسمين عاربة ومستعربة، ومن ثمّ عدم دقة أن العربية الحجازية مبنية على عربية الجنوب، فأخضع طه حسين هذا التقسيم لمبضع النقد التحليلي، فرفض الرواية الشائعة من أنّ العرب العاربة (القحطانية): وهم سكان الجنوب (اليمن)، الذين فُطروا على لغتهم الحميرية الأصلية هم العرب الخلص الذين أخذت عنهم العرب المستعربة (العدنانية) سكان الشمال (الحجاز) اللغة العربية التي نزل بها القرآن، ويرى أنّ هذا من زعم الرواة الذين قالوا إن إسماعيل عليه السلام كان يتكلم العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلم لغة “جرهم” اليمنية فمُحيت لغته الأولى واكتسب العربية اكتساباً.
ويدعم الدكتور طه حسين رفضه للرواية بالاستناد إلى ما قاله الأقدمون وأثبتته الحفريات الحديثة من أن الخلاف بين لغة الحجاز (عدنان) ولغة اليمن (حمير) لم يكن خلاف “لهجات” بل خلاف بين لغتين كل منهما قائم بذاته، تماماً كالفرق بين العربية والعبرية أو السريانية.
ويستشهد بقول أبي عمرو بن العلاء: “ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا.” كما أنّ الآثار والحفريات التي عاصر طه حسين اكتشافها أثبتت اختلاف الخطين اختلافا جوهريا فأثبتت تبايُنا عميقا في اللفظ، واختلافا جذريا في قواعد النحو، ومفارقة تامة في قواعد التصريف.
من هنا تمسك طه حسين بالتشكيك في صحة القصص التي تربط بينهما، فيرى أن فكرة انحدارهما من لغة واحدة لا تعدو عن كونها أسطورة متأخرة وُضعت لأسباب دينية وسياسية.
فما طرحه طه حسين هو مواجهة مع مسلمات معرفية متداولة في الثقافة الإسلامية نحتاج إلى التفكير وإعادة النظر فيها، ومن تلك المسلمات المزيّفة المتناقضة مع المنجز المعرفي حول طبيعة اللغات وطرق نشأتها، المسلمة التي تقول إن اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم هي لغة إسماعيل بن إبراهيم أو آدم، عليهم السلام، كما شاع بين المسلمين من كثرة الترديد، هل نحن أمام حقيقة علمية أم تصوّر أسطوري للاستعلاء باللغة العربية عن أن تكون نشأت كغيرها من اللغات من رحم عدّة لغاتٍ متأثرةً بالزمان والمكان؟ هل اللغة العربية التي نعترف بعراقتِها السامية وخُلودِها القرآنيّ تمتلك استثناءً يُخْرجها عن الخضوع لسننِ وقوانين النّمو والتّطور والعمل الذي تقوم عليه سائر اللغات؟
الإجابة عن مثل هذا السؤال تُقدّم نموذجاً لنمطين من أنماط التفكير، الأول منهما يرى أنّه بإمكانه الإجابة عن سؤالِ: مَنْ أول من نطق بالعربية؟ فيراه تارة آدم، عليه السلام، وتارة إسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام، وتارة يعرب بن قحطان حفيد هود، عليه السلام، وينطلق هذا النمط في أحكامه من مأثورات وأخبار أُسند بعضها، بضعف، إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ورغم بساطة هذا النمط من التفكير، وعدم استناده إلى بُرهانٍ علميّ أو وحي قطعيّ إلا أنّه الشائع ليس بين العامة فحسب؛ بل في بعض الأروقة العلمية التي ترى في نشأة العربية استثناءً، فهي ليستْ، كغيرها من اللغات، ظاهرةً اجتماعية وثقافية تُشكّلها البيئة.
ويستند هذا النمط من التفكير إلى فهمٍ مغلوطٍ تداولته كتب تفسيرٍ تراثية اعتمدت على المأثور في تفسيرِ قول الله تعالى “وعلّم آدم الأسماء كلها” تفسيراً حرفياً؛ بأنّ اللهَ علّم آدم جميع الكلمات العربية قبل أن تُوجد البيئة العربية، متجاهلين أن العربية لو كانت توقيفا وإلهاما لآدم وبنيه ما اختلفت اللغات، وتعددت اللهجات، وما تفاوت الناس في الكفاءة اللغوية، وما دخل اللغةَ كلمات جديدة عرفها الإنسان المعاصر، وجهلها أسلافه في العصور السابقة.
فالأوْلى تأويل “علّم” في الآية بمعنى أقدر الله الإنسان بالعقل وجهاز النطق على اختراع المعاني ونطق الألفاظ، أو أن “الأسماء” في الآية ليست من السمة بمعنى “العلامة المميزة” وإنما مشتقة من لفظ “السمو” بمعنى “القيمة المميزة”، فمعنى الآية أن الله علّم آدم قيم الفطرة الإنسانية السويّة؛ ليبني عليها أعماله وتصرفاته في الدنيا.
النمط الثاني من التفكير يرى أنّ نشأة اللغة العربية لا يخلو من الغموض الذي يكتنف النشأة الأولى للظواهر الاجتماعية، بما في ذلك اللغة، ويُؤسس دراسته ليس على أوّل من نطق بالعربية، بل على أقدم ما كُتب بها؛ لأن الكتابةَ أثرٌ ملموس يُمكن الاستدلال به، فيُميّزون بين ثلاثة أنواع من الكتابة العربية، اثنين منها تلاشت؛ إذ لا وجودَ لها إلا في بعض النقوش الأثرية، ولا تُشبه الكتابة العربية المعاصرة التي ارتبطت في نشأتها وتطوّر علومها بالقرآن الكريم، وتعود أقدمُ مخطوطاتها إلى القرن السابع الميلادي/ الأول الهجري.
ويعود أقدمُ لوحٍ عربي كُتب بأبجدية قبائلِ جنوب شبه الجزيرة العربية إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهو “لوح من المرمر يعود لمملكة سبأ باليمن محفوظ في متحف اللوفر، ويتحدث عن إله القمر لدى الجنوبيين”، ومن أشهر ما وصلنا منها ستّة ألواح كُتبت عن حياة أبرهة الذي هاجم الكعبة في عام ميلاد النبي، صلى الله عليه وسلم، أربعة منها كتبها أبرهة بنفسه، أطولها حديثه عن تحالف قبلي قاتل إلى جانب جيشه في معاركه مع يزيد بن كبشة سيد قبيلة كندة، بينما يعود أقدم لوح عربي كُتب بأبجدية قبائلِ الشمال إلى القرن الثاني الميلادي، وهو “نقش النّمارة” الذي يبدأ بافتتاحية تضمّن قسماً برُوح ملك الحيرة، امرئ القيس بن عمرو (الأول).
وتُشير النقوش العربية التي عُثر عليها داخل الجزيرة العربية، وتعود إلى القرن الأول قبل الميلاد إلى أنّ قبائل العرب في الشمال استخدمت الكتابة الجنوبية فترة من الزمن، قبل أن تعرف الكتابة النّبطية التي وُلدت في تُخوم شبه الجزيرة العربية، مع العراق وبلاد الشام، من رحم اللغة الآرامية المتأثّرة بالكتابة الفينيقية، ومنهما اكتسبتْ عربية الشَّمال سمات اللغات السامية، وعنها أخذت قريش أبجديتها فتعلّم قلّة معدودة من أبناء قبائل نجد والحجاز الكتابة، فرغم أن رحلات “قريش” التجارية كانت تتحرك بين الجنوب والشمال، وأنّ عربية قبائل الجنوب وصلت مبكراً إلى أعماق شبه الجزيرة العربية مهْد الرسالة إلا أنَّ عربية قبائل الشمال كانت الأقدر على التأثير في “لهجة قريش”، التي سينزل بها القرآن الكريم، وهذا يُفسّر قول أبي عمرو بن العلاء أحد القُرّاء السبعة: “ما لسان حمير بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا”.
في القرن السابع والثامن الميلادي/ الأول والثاني الهجري، أخذت الصورة التي استقرّ عليها الصوت العربي اليوم في الكتابة تتشكّل؛ فبعد أن تفشَّى اللَّحن في قراءة القرآن الكريم على ألسنة غير العرب، كلّف أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، أبا الأسود الدؤلي بوضع علاماتٍ تُساعد على القراءة الصحيحة، ففكّر في الحركات التي أخذت هيئة نقاطٍ بحبرٍ أحمر قبل التفكير في وضْع النقاط على الحروف المنقوطة، فيُروَى أنّ أبا الأسود قال لكاتبه: “خذ صبغاً أحمر فإذا رأيتني فتحت شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه، وإذا كسرت فانقط واحدة أسفله، وإذا ضممت فاجعل النقط بين يدي الحرف (أي أمامه) فإذا اتْبعت شيئاً من هذه الحركات غُنّة، فانقط نقطتين”، وأخذ يُملي القرآن بتأنٍ، والكاتب يكتب حتى وصل إلى آخر المصحف، وكان أبو الأسود يُدقّق في كلِّ صحيفة حال انتهاء الكاتب منها.
لم يضعْ أبو الأسود علامة للسكون؛ إذ رأى أنّ إهمال الحركة يكفي، وانتشرت علامات أبي الأسود الدؤلي التي يُؤرخ بها لبداية ظهور النّحو العربيّ.
وزاد النّاس على طريقة أبي الأسود علامة التنوين، فوضعوا له نقطتين فوق بعضهما، وزاد أهل المدينة علامة التّشديد، فجعلوها قوسين فوق المشدد المفتوح، وتحت المشدد المكسور، وعلى يسار المشدد المضموم، ووضعوا نقطة الفتحة داخل القوس والكسرة تحت حدبته والضمة على يساره، ثم استغنوا عن النقطة، وقلبوا القوس مع الضمة والكسرة وأبقوه على أصله مع الفتحة، وزاد أهل البصرة السكون، فجعلوه شرْطة أفقية فوق الحرف منفصلة عنه.
لم تكن هذه التغييرات كافية، فكلّف الحجاج بن يوسف الثقفيّ نصر بن عاصم (ت٨٩هـ) تلميذ أبي الأسود الدؤلي بمزيد من التقنين للكتابة العربية توسلاً إلى صواب النطق بالقرآن الكريم، فوضع نصر بن عاصم النّقاط على بعض الحروف؛ تمييزا لها عن غيرها.
وبعد أن شاعت طريقة نصر في التمييز بالنّقاط بين الحروف المتشابهة مثل: الجيم والحاء والخاء، اختلط الأمر على القارئ مرة ثالثة، وجد المسلمون أن تغيير لون الحبر لم يعد كافياً في التمييز بين النقاط التي تُشير إلى الحركات والنقاط التي تُميّز الحروف، وهذا ما دفع الخليل بن أحمد (ت١٧٠هـ) وتلميذه سيبويه (ت١٨٠هـ) في القرن الثاني الهجري إلى مزيد من التقنين لقواعد الكتابة العربية، فغيّر الخليل من صورة الحركات، فجعل الفتحة ألفًا صغيرة مائلة فوق الحرف، والكسرة ياءً صغيرة تحت الحرف، والضمة واواً صغيرة فوقه، وكرّر الحركة إذا كان الحرف منوناً، واخترع شكل الشدّة، وهي من أول حرف من اسمها (سـ) غير مكتملة.
واخترع الخليل بن أحمد “حروف العلة”؛ لتجنّب الغموض الناشئ من اختلاط كَتَب بكلمة كَاتب، واخترع شكل الهمزة عينا (عـ) غير مكتملة؛ وذلك لتقاربهما لفظاً، إلى غير ذلك من القواعد التي انتقلت بالكتابة العربية إلى صورةٍ مختلفة تماماً عن الصورة التي بدأت بها عند قبائل الجنوب أو الشّمال، فالكتابة المعاصرة نِتاجُ جهود علماء القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي لمواجهة صعوبات الكتابة العربية، وتقديم إجابات لتساؤلات عصرهم التي دارت حول كيفية التواصل مع القرآن الكريم، فالتّراث الذي بين أيدينا نشأ بدافع منهم لفهم القرآن الكريم.
وهذا ما نحتاج إليه اليوم، أن نُفكّر في مشكلات العربية، وطرق معالجتها، ونُجيب عن تساؤلات عصرنا حول كيفية التواصل التأويلي مع القرآن الكريم في ضوء ما وصلت إليه الدراسات اللغويّة.
أخيرا لا يعيب تراث الأسلاف ما يكتنفه من اللامعقول، مثل تصوّر أن العربية المعاصرة نشأتْ مكتملةً منذُ آلاف السنين، لكن يعيبنا نحن اليوم؛ أن نتجاهلَ ما انتهتْ إليه الدراسات والحفريات، ونسعى إلى تبرير اللامعقول لمجرد أنّه جاء به بعض كُتب التراث، فهذه جناية نرتكبها، لا ضدّ أنفسنا وواقعنا وحاضرنا فقط، بل ضدّ التراثِ نفسه الذي جمع إلى جانب اللامعقول/ الأسطوري تصورات أخرى معقولة، ينبغي أن نبني عليها، فلن نكون ورثة جديرين بتراثنا العريق إلا إذا اتّبعنا منهج تعميق “المعقول” في تراثنا، وليس إعادة نشر اللامعقول وتبريره، فالمشاركة في نشر الثقافة البدائية وإضعاف العقلانية يتعارض مع تعزيز الفكر أحد تكليفات الإسلام.
([1]) طه حسين، من الشاطئ الآخر، ص ٧٨.
([2]) الأيام، ج1، ص54.
([3]) مرآة الإسلام، ص٧٨.
([4]) أشار إلى ذلك الدكتور عبد السلام حيدر في مقاله: “أمين الخولي ومنهجه الأدبي في التفسير”، المنشور في طواسين أغسطس 2016.
([5]) في الصيف، ص ١١.
([6]) في الصيف، ص ١8.
([7]) مجلة القاهرة، وزارة الثقافة – القاهرة ١٩٩٥.
([8]) نُشرت تحقيقات النيابة كاملة في مجلة القاهرة، وزارة الثقافة – القاهرة ١٩٩٥.
روابط المقال
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.