
إشكالية الواقع التراثي بين التديين والضمور: قراءة في مشروع نصر حامد الفكري..الجزء الثاني “ضمور التراث”
اتخذ الصراع على المستوى الثقافي والفكري، بل والأدبي أيضا، آلية الاستناد إلى الماضي لتأكيد الأحقية في حكم الحاضر وفي السيطرة عليه
بدأ عصر التقليد والجمود منتصف القرن الرابع الهجري، وهو ما أشار إليه باحثون من مختلف التيارات الفكرية مكتفين بالتوصيف والتباكي دون التعمّق في البحث عن الجذور التي أنتجت تلك الظاهرة، فمن أهم أسباب التقليد والجمود التراثي: حسْم معركة التأسيس في التراث لغير صالح مدرسة العقل، وتحويل جميع السنة إلى مُشرِّعة، وليست شارحة، وضمّ الإجماع؛ ليكون مُشرّعا، وحُصر العقل في دائرة توليد النصوص بالقياس؛ ومع منتصف القرن الرابع الهجري بدأنا مستوى جديدا من الجمود حيث أصبحت أقوال الأئمة واجتهاداتهم هي النصوص، وصارت مجال الشرح والتفسير والاستنباط والتعليل، وتحوّلت النصوص الثانوية إلى نصوص أولية، واقتصر دور العقل على الترديد والشرح والتكرار، مما أدى إلى ضمور التراث، ولم يكن هذا الضمور والجمود في التراث منحصرا في الفقه بل في مختلف الجوانب بما في ذلك العلوم العربية.
وفي العصر الحديث ازداد الأمر تعقيدا، إذ تضافرت بعض العوامل على تثبيت تلك الآليات في قراءة التراث، بل وتعميقها في الثقافات المحلية لشعوب المجتمعات العربية الإسلامية، ومن أهمّها عاملان -ركّز عليهما نصر – أولهما: ركود الواقع العربي قديما وحديثا، وثانيهما: تعقّدُ إشكالية علاقتنا بالآخر في العصر الحديث الذي نظر إلينا من منظور ديني، ونظرنا إليه من المنظور نفسه.
فإذا توقفنا أمام العامل الأول فسنجد أنه من اللافت للانتباه، والمثير للدهشة في الوقت نفسه أن تداول السلطة السياسية في العالم العربي والإسلامي – وهو من علامات الحركة “الصيرورة” – لم يتم في أي لحظة من لحظات التاريخ وفقا لآليات الاختيار السلمي مما أصاب الواقع العربي سواء في سياق تاريخ الدولة العربية الإسلامية، أو في سياق التاريخ الحديث والمعاصر بحالة من الركود على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية.
فمنذ عرف الواقع العربي فكرة “الدولة” لم تُفارق الدولة مفهوم “القبيلة” إلا نادرا، وفي أول خلاف نشأ في تاريخ الدولة الإسلامية عشيّة انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى رفضت “قريش” رفضا باتا ونهائيا مبدأ تداول السلطة أو المشاركة فيها، وذلك حين طرح الأنصار – أهل المدينة – “منا أمير ومنكم أمير” أو “منكم الأمراء ومنا الوزراء”، وكان معنى هذا الرفض تحويل الحكم من مشروع عربي إنساني إلى مشروع قبَلي، وربط الدولة الوليدة بآفاق القبيلة. من هنا انحصر الصراع بين بني هاشم وبني أمية. وكان على القوى الاجتماعية الأخرى أن تخوض الصراع إما في جانب هذا الطرف أو في جانب ذاك.
واتخذ الصراع على المستوى الثقافي والفكري، بل والأدبي أيضا، آلية الاستناد إلى الماضي لتأكيد الأحقية في حكم الحاضر وفي السيطرة عليه. وظلت هذه الآلية آلية هامة في كل أشكال الصراع العربي الإسلامي، وهي آلية تؤكد ذلك الالتباس بين مفهوم الدولة ومفهوم القبيلة. ذلك أن القبيلة تعتمد في تعزيز علاقات الترابط بين أفرادها على رابطة الدم والعرق الممتد في الماضي، وتترتب هيراركية العلاقة بين أفرادها على أساس “السن” الذي هو قرين الحكمة والخبرة الموروثة.
وفي صراع العباسيين ضد الأمويين، وهو الصراع الذي دخل الفرس طرفا فيه، لم تختلف آليات الصراع اختلافا جوهريا، إذ ظل الاستناد إلى الماضي والتراث على المستوى الثقافي والفكري هو محور ما عرف باسم “الشعوبية” في الثقافة العربية. وظلت آليات تداول السلطة تعتمد على “الغلبة” العسكرية، أو ما عرف باسم “الشوكة” في الفقه السياسي، وقد تم إقرار هذه الآلية وتحويلها إلى مبدأ فقهي ثابت حين ذهب أكثر من فقيه إلى عدم جواز الخروج على الحاكم الذي استولى على السلطة بقوة الشوكة وغلبة السلاح، وذلك لدرء الفتن. الأهم من ذلك أن المبدأ الفقهي الذي بُنيت عليه الفتوى السابقة، وهو مبدأ “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” مبدأ يعزز الركود الاجتماعي مهما كان الثمن، ومن الأدلة البارزة على ركود الواقع العربي المعاصر أن المبادئ والمفاهيم السابقة ما زالت تتمتع بدرجة مذهلة من الحضور والفاعلية في الفكر السياسي والاجتماعي العربي المعاصر.
هذا الاعتماد على مفهوم الدولة / القبيلة، وما يرتبط به من تعلق مرضي بالماضي والتراث ظل مهيمنا رغم تغير أشكال الدول، وتغير الشعارات والأزياء، والاحتفالات. وظل تداول السلطة يعتمد على الغلبة والقوة ومحاولة تعزيز مشروعيتها بالاستناد إلى التراث والماضي، حدث ذلك في عصر الدويلات بعد سقوط الخلافة العباسية تحت وطأة اجتياح المغول لبغداد، وحدث في عصر المماليك الذين انقسموا إلى قبائل على أساس الانتماء لشخص القائد، كما حدث في عصر الدولة العثمانية. وظل الأمر كذلك حتى العصر الحديث من استيلاءٍ على السلطة بقوة السلاح أو الجماعة وتعزيز الأمر الواقع استنادا إلى التراث الذي تم اختصاره في أحد جوانبه. ([1])
أمّا العامل الثاني وراء ضمور التراث فهو “تعقّد إشكالية العلاقة بالآخر” مما ساهم في جعل التراث الديني الإسلامي الإطار المرجعي الوحيد لكل معرفة، ولكل ممارسة وسلوك، لقد تعامل الاستشراق مع ثقافتنا من منظور وحيد، هو منظور الإسلام، وكوَّن لنفسه صورة أعاد تصديرها لنا، فحواها أننا مسلمون دينا ووطنا، وأن سر تأخرنا وجهلنا وانحطاطنا وتخلفنا هو الإسلام.. فتحوّل الإسلام من دين إلى أن يكون “هوية” للذات العربية في مواجهة الآخر المسيحي. وفي هذا السياق تم استدعاء “الحروب الصليبية” واعتبارها نموذجا متكررا، واعتبرت الهجمة الاستعمارية على العالم العربي استكمالا للحروب الصليبية. ولم لا: ألم يقف اللنبي على قبر صلاح الدين الأيوبي في دمشق، ويقول قولته المشهورة الحاضرة دائما في الخطاب العربي: “ها قد عدنا يا صلاح الدين؟!
فالتحدي الأكبر الذي مارسه الخطاب الأوروبي على العقل العربي والإسلامي – إلى جانب التحدي العسكري الماثل في الاحتلال والهيمنة السياسية والاستغلال الاقتصادي – هو تحميل الإسلام مسؤولية التخلف الذي مكّنه من السيطرة على مجمل بلدان العالم الإسلامي، ونرى ذلك ماثلا بوضوح في كتابات “هانوتو” و”آرنست رينان” وغيرهما.. فاستسلم الخطاب العربي الإسلامي لوهم الرابط الميكانيكي بين الدين ومقولتي “التقدم” أو “التخلف”، واتخذ موقف الدفاع عن الإسلام للرد على ذلك التحدي ومواجهته.
وكان من شأن الموقف الدفاعي أن يخلق تيارين يتأسسان على منطق الارتباط “العلِّي” بين الدين وعوامل التقدم والتخلف: التيار الأول يرد أسباب تخلف المسلمين لا إلى الدين نفسه، بل إلى سوء الفهم والتفسير. وذلك هو تيار الإصلاح الديني المتمثل في خطاب الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما، وهو التيار الذي رأي في حُسن الفهم وصواب التأويل طريقا إلى الإصلاح والتقدم على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. أما التيار الثاني فهو التيار الذي يرد التخلف إلى البعد عن نهج الإسلام وطريقة السلف، ويُنادي بالعودة إلى الدين وسنة السلف الصالح حتى يعود للأمة مجدها الغابر.
ووجد الفكر العربي الإسلامي نفسه أمام عملية متناقضة شديدة التعقيد، فمطلوب منه أن يسعى إلى التقدم الذي يُشير إلى المستقبل، ويدل على الحركة، ومطلوب منه أن يسعى إلى “التراث” الذي يُشير إلى الماضي ويدل على السكون، ومازلنا غير قادرين على تجاوز تلك الإشكالية، فالتراث الذي تمّ اختزاله في الإسلام تحوّل إلى هوية، يُمثّل التخلي عنها وقوعا في العدمية وتعرضا للضياع، فأصبح التراث معبِّرا عن عراقتنا وأصالتنا في تاريخ الوجود الإنساني، في حين أصبح “التقدم” مرتهنا باستيعاب ما أنجزه العقل البشري في مجالات المعرفة العلمية، الأمر الذي يعنى التعلم من الآخر الذي تعرفنا عليه أول ما تعرفنا معتديا غازيًا محتلا لأراضينا مستغلا لأوطاننا.. ويظل المشكل ماثلا: كيف نحقق التقدم دون أن نتخلى عن “التراث” ودون أن نتعلم من المناهج العلمية عند الآخر؟!
وبهذا الطرح تظهر إحدى الفوارق الجوهرية في قراءة التراث بين نصر حامد من جهة ومحمد أركون، ومحمد عابد الجابري من جهة أخرى، فنظر أبو زيد إلى التراث في إطار إشكالية تعقد علاقتنا مع الآخر على خلاف الجابري وأركون اللذين ركّزا على بنية العقل العربي/الإسلامي، فتزامن مع نشر نصر باكورة نتاجه الفكري “الاتجاه العقلي في التفسير دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة” سنة ١٩٨٢م بداية ظهور النسخة العربية من مشروع محمد أركون “نقد العقل الإسلامي”، ومحمد عابد الجابري “نقد العقل العربي” سنة ١٩٨٤، فركّز أركون – كما قال – على
“دراسة بنية العقل الديني وطريقة اشتغال العقل الديني ووظائفه، ولا تهمّني مضامين العقائد والمذاهب بحدِّ ذاتها، فالمضامين والتفاصيل قد تختلف، ولكن الآليات واحدة”.([2])
وركّز الجابري على تشريح بنية العقل العربية بوصفه الأداة المنتجة لأفكار التراث، ([3]) فانطلقا من تحليل أنظمة العقل العربي/الإسلامي واستكشاف المبادئ التحتية العميقة أو الضمنية المضمرة بداخله إلى دراسة التراث. ورغم ما حملته تلك المشاريع من صدى واسع في الساحة الثقافية إلا أن نصر اختلف معها في تركيزها على العقل الإسلامي/ العربي، ورأي أن الحديث عن عقل إسلامي خارج محددات الجغرافيا والتاريخ من جهة، وبمعزل عن الشروط الاجتماعية/الثقافية للمجتمعات الإسلامية بمرجعياتها التاريخية المختلفة من جهة أخرى حديث لا يستند إلى أسس واقعية، وأنه ينبغي أن ننظر لعلاقتنا بالتراث في سياق العلاقة الملتبسة بين العالم الإسلامي من جهة وبين أوروبا بصفة خاصة والغرب بصفة عامة من جهة أخرى، ففي دراسة تلك العلاقة الملتبسة يكمن سر الفزع العام من إخضاع تراثنا للدراسة النقدية العلمية.([4]) ورأي أن مشروعهما لم يخلُ من تلفيقية الخطاب الحداثي في سعيه لتقديم “ترضيات” – على حد تعبير أركون – رغم أن خطابهما تجاوز ثنائية خطاب زكي نجيب محمود التراثية والمعاصرة/ الثقافة والعلم.
وبالإضافة إلى تيار الإصلاح الديني الذي تطوّر عنه خطاب النهضة، وتيار بعث التراث الذي تبناه الخطاب السلفي كان هناك تيار ثالث دعا إلى الانقطاع المعرفي مع التراث، والبحث عن حلول من منطقة “الصفر” العازلة بين الماضي والحاضر، فيتبنى هذا التيار مقولة إننا الآن نعيش عصرا جديدا لا يمت بأي صلة للماضي، لا في شكل الحياة، ولا في أنماط السلوك، ولا في طرائق التفكير، ويرى أن التراث أيا ما كان يحمله من عناصر التقدم والاستنارة والعقلانية فسيظل عاجزا عن مخاطبة الهموم والمشكلات التي تطرحها الحياة في شكلها الراهن.
وقد شهد هذا الموقف الفكري تراجعا وخفوتا في مجال التداول الثقافي المعاصر؛ فلا يُمكننا علميا إحداث هذا الانقطاع المعرفي مع التراث،
“فنحن في التراث كما نحن في العالم لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه”.([5])
فالماضي وإن كان قد انقطعت صيرورته ولم يعد فاعلا إلا أنه ما زال يتحرّك من خلالنا في وعينا به وتفاعله – إيجابا أو سلبا – مع سعينا لبناء الحاضر واستشراف المستقبل، فالتراث ليس كيانا منفصلا عنّا، بل نحن مركز ذاك التراث نعيد تشكيله وفق الحاضر منه في عقولنا، فالتراث إذن ليس له وجود مستقل عن واقع حي يتغير ويتبدل، يعبر عن روح العصر، وتكوين الجيل، فغاية ما نستطيع هو إعادة النظر في علاقتنا به،
“فالتراث مجموعة من النصوص تتكشف دلالتها آنا بعد آن مع كل قراءة جديدة، وليست كلّ قراءة جديدة إلا محاولة لإعادة تفسير الماضي من خلال الحاضر..” ([6])
من ناحية أخرى “ليس الماضي هو الذي يُؤثر في الحاضر على نحو أحادي الاتجاه، فالحاضر يُؤثر في الماضي، وبالقدر نفسه، رؤية وتأويلا. ومعظم الدراسات التي توجّهت إلى الماضي وبحثت في التراث قيّدت النظر فيه من منظور الحاضر، وأعادت تصنيف التراث وفقا لرؤى حداثية،([7]) وتظل تلك العلاقة التفاعلية مع الماضي مستمرة إلى يومنا، لكن هذا لا يعنى تماهي الحاضر مع الماضي فمثلا قضية حرية الإنسان الكائن الاجتماعي في العصر الحديث تختلف عن قضية حرية الإنسان “الفرد” التي ناقشها متكلمو وفلاسفة الإسلام في التراث من حيث علاقة إرادة ومشيئة الإنسان بالإرادة والمشيئة الإلهيتين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) يُنظر: النص السلطة الحقيقة، ص٢٢،٢١
([2]) د/ محمد أركون (٢٠١٢)، الفكر الإسلامي نقد واتجاه، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة السادسة، ص٢٩٧.
([3]) ينظر: د/محمد عابد الجابري (آذار/مارس ٢٠٠٩)، تكوين العقل العربي، سلسلة نقد العقل العربي (١)، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة العاشرة، بيروت، ص١١،١٠.
([4]) ينظر: التجديد والتحريم والتأويل، ص٦٦،٦٥.
([5]) د/ طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل، ص١٣، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠١١.
([6]) مفهوم النص دراسة في علوم القرآن، ص٢١.
([7]) ينظر: الخطاب والتأويل، ص١٨٠:١٧٨.
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.