
العقلانية في مواجهة الحالة الحرفية في الثقافة الإسلامية: قراءة في مشروع عبد الجواد ياسين الفكري
يمكننا القول بأنّ التعقلَ/العقلانيةَ حجرُ الأساس في مشروع ياسين الفكري
يمكننا القول بأنّ التعقلَ/العقلانيةَ حجرُ الأساس في مشروع ياسين الفكري، فهو على نقيض الحالة السلفية المستحوذة على الثقافة الإسلامية، التي تجعل من الاتباع الفكري حجر الأساس لمنظومتها التي يُمكن أنْ نُسلمَ لها على سبيل المجاز بأنّها منظومةٌ فكرية؛ إذ لا يستقيم التفكير مع الاتباع والانقياد والترديد، ففي الوقت الذي يرى فيه العقلُ السلفيّ الحرفيّ ممارسة التّعقل في النّص جريمة، يرى ياسينُ التعقلَ في النّص ضرورة للبحث عن علّة النّص التي هي مناطُ التكليف، وتلك الخصومة بين دعاة التعقل من أمثال ياسين ودعاة الجمود من المتسلفين ليس وليد عصرنا، بل هو فعلٌ متكرر في كلّ الثقافات عبر العصور، وهو فعلٌ متأصّل في تراثنا، فاجتهاداتُ أبي حنيفة التي أصبحت جزءًا من موروثنا التراثي كانت محاولة تجديدية مستهجنة من مدرسة الأثر في عصرها، فمدرسة الإمام أبي حنيفة عُرفت بمدرسة الرأي التي تستند إلى العقل، وتقدم الاستحسان على خبر الآحاد، فازدرى أصحابُ مدرسة الأثر أصحابَ مدرسة الرأي، وأطلقوا عليهم سخرية “الأرأيتون” المشتقة من “أرأيت لو كان الأمر كذا“، وبالغوا في ذمّ الرأي حتى أنّ بعضَهم قال:
“الحديثُ الضعيف أحبّ إلينا من رأي أبي حنيفة”
فرغم أن رأيَهم قراءةٌ وفهم لنصٍ احتمالي الدلالة، إلا أنّهم يتمسكون بظاهر النصوص، ويزعمون كفايتها في تقديم موقف إسلامي شامل لتفاصيل ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا تلك الفكرة المغلوطة المشتركة بين جميع الجماعات وتناقلتها أجيال متعاقبة سلّموا بها ولها، ولم يَسْلم الخطاب الرسمي من التّأثر بها، فأصبحت جزءًا من مسلمات الثقافة الإسلامية، فتحوّل الحديثُ عن الشمولية في الفكر الإسلامي من مبادئ وقيم وسنن كونية إلى شمولية تفاصيل حياتية تحتوي حتى على تفسير للظواهر الطبيعية، مما جعل الخطاب الديني في حالة استنفار دائم لتفسير وتوجيه كلّ شيء في الحياة، وهذا منحنى يتراجع معه دورُ العقل الإنساني، فيصبح اللهُ هو المُكلّفُ نيابة عن الإنسان في التفكير وتقديم الإجابات عن كلّ تفاصيل الحياة.
فتلك الخطيئةُ الفكرية التي تمارسها الجماعات في عقولنا، فيخوضون بنا رحلة لا تنتهي من العنت والجمود والتّعصب والتّخلف والعُنف والانقياد والانتظار، هي ما سعى ياسين في التّصدّي لها ومواجهة نفوذ الكهنة الذين استمدوا سلطتهم من التحدث باسم الإله، فالدين لا يعرف الوساطة الإنسانية في الاتصال بالله، ولا الوساطة الإلهية في تفاعل الإنسان مع الكون، فما أنتج المسلمون وأبدعوا في علوم الطبيعة والرياضيات والطب وغيرها إلا حين أطلقوا العنان للاجتهاد العقلي، وانتفعوا بما ترجموا عن الحضارات السابقة.
فالمنظومة السلفيةُ الحرفية على حد تعبير ياسين “عندها نفورٌ شبه فطري من ممارسة العقل فهم يريدون لمن يتكلم ألا يتكلم إلا تحت عناوين معينة، باستخدام مصطلحات معينة، باستخدام مفردات معينة، باستخدام قضايا معينة… تكلم في الفقه وفي الفروع وتقول: قال شيوخنا، وانتهت القضية. ولما يجئ أحد ويخرج عن هذا السرب ويتكلم في قضايا أخرى، أو حتى يتكلم في هذه القضايا تحت عناوين أخرى، كأنّه أتى بدينٍ جديد، وهذا نوع من التماهي أو المرادفة بين الدين وبين أنفسهم، ولم يَسْلم من تلك الآفة شديدة الخُطورة العقل السلفي في بدايات تاريخه فوضع خطًا فاصلًا بين ممثلي أهل السنة وبين المعتزلة التي مارست التّعقل في النّص بجرأة أكبر؛ لذا رفضوا الفلسفة، وكفّروا الفلاسفة من أمثال: الفارابي والكندي وابن رشد.
وهذا المسلك السّلفي الرافض للتّعقل يُسيء إلى الدعوة الدينية؛ لأنّه يُظْهِرُ الدينَ في مظهر غير الواثق في نفسه، وهذا لا يليق بهذا الدين العظيم، “وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ”.([1]) فمنهجية ياسين القائمة على التّعقل أكثر اتساقًا مع إسلام الوحي من منهجية خصومه من أبناء الحالة السلفية، وتلامذة المدرسة النصوصية/الظاهرية، فالتعقلُ الذي يدعو إليه ياسين هو استجابةٌ لدعوة القرآن الكريم في ستمائة وأربعين آية تحثّ على التفكير الذي هو في حقيقته حالة من التساؤل المستمر، فعندما يتوقف العقل عن التساؤل يختفي، فلا معنى لبحثٍ في الإسلاميات لا ينطلق في سؤاله البحثي من مشكلات الواقع، سؤال يتعايش به الباحث مع حاضره بعيدًا عن أسئلة الماضي التي لا مِساس لها بالحاضر، وليست مورد ابتلاء المُكلّفين بلغة الفقهاء، فكلّ مرحلة لها تساؤلات وإشكاليات تُعَبِّرُ عن هموم الفرد والمجتمع، من هنا تأتي أهمية تساؤلات ياسين المُعبّرة عن حالة القلق الحضاري التي يعيشها العقل العربي المعاصر، فقد منحتْ تلك التساؤلات مشروعَه عُمقًا وسِعَةً تجعله محطّةً لا بُدَّ من التوقف عندها للتّعرّف على المسار التصاعدي لإصلاح الفكر الإسلامي.
فقوةُ الإسلام وصلابةُ الإيمان ليست محض تسليم وإذعان يُمسي معه التدين ضعيفا متهافتا، وإنّما تحتاج إلى تأسيس عقلي في نفوس أتباعه، فالعقل السبيل الوحيد إلى العلم الذي هو الأساسُ المتين للهداية، فعندما استشعر المسلمون أهميةَ وأصالةَ دور العقل والعلم في تأسيس الإيمان والهداية، أنتجوا فكرًا ونقلوا وطوروا حضارات الأمم السابقة، فياسين إذ يُعطي أولويةَ إلى العقل فهو يتسق مع الإسلام/دين الوحي في رفضه للتقليد والتّمسك بأهدابِ الماضي وعبادة ما كان عليه الأباءُ والأجداد من موروث فكري، وأبلغ دليل على انتصار الوحي للعقل ورفضه للتقليد أسلوب السخرية القرآني من الذين رفضوا دعوة الإسلام لأعمال العقل بحجة اتباع الأسلاف في قوله تعالى “أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ”.([2]) “أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ”.([3]) فغياب الهداية يسبقه غياب العلم الناتج عن تغييب العقل، فإذا كانت عبارة الفيلسوف الفرنسي “أنا أشكّ، فأنا أفكر، فأنا موجود” فإنّ عبارةَ ياسين التي نستخلصها من مشروعه، “أنا حرٌّ فأنا أفكر فأنا مسلم”، وليس أدلُّ على أصولية التفكير العقلاني في الإسلام من ربط الدين نفسه ربطًا محكمًا بالاجتهاد، الذي لم يجعل الوصول إلى “الصواب”، ناهيك بالمقاربة إلى “الحقيقة” التي هي ضالّة المؤمن دائمًا، شرطا لإجازة الاجتهاد ومكافأته، لقد أجاز الإسلامُ الاجتهاد “الخطأ” وكافأه، “من اجتهد فأخطأ فله أجر”، ذاك هو الدينُ الواثق من نفسه، الذي يُكافئُ الاجتهاد “الخطأ” بما يمنح المؤمنَ به ثقة وجسارة في الاجتهاد وجرأة في البحث والفكر، وهو على نقيض تدين المتعصبين والغاضبين دوما، وكأن الإسلام دعوة إلى الانفعال وليس إلى التفكير.
ورغم الحاجة الشديدة إلى العقلانية النقدية التي يقوم عليها مشروع ياسين لإحداث حراك فكري، إلا أنّها لم تحظَ بالمكانة التي تستحقها، فما يزال الخطابُ السلفي، الأقوى حضورًا في الثقافة الإسلامية العامة، يفرض رؤيته القائمة على رفض كلّ محاولة للتفكير النقدي، ويراها نقضًا للإسلام الذي يشخصنه في شيوخه وفهمهم ومناهجهم، وإنْ قبِل بالنقد فإنّه يشترط أنْ يكونَ النقدُ مبِنيًا على ما قررته مدرسة الأثر، فيُلزم جميع مدارس الفكر الإسلامي بأنْ تتكلم وتنقد وفق قواعدهم، غير أنّ هذا لم يُرهب ياسين فلا شيء وضعيًا عنده يلزم إلا بدليل الحق، وأنّه لا بديل عن التّوسع في ممارسة النقد، ورأى أن قواعدَ مدرسة علم الحديث التقليدي الكلاسيكي، كما أطلق عليها، علم له وعليه، وأنّ علم تلك المدرسة لم يستطعْ القيام بالمهمة التي نشأت أساسًا من أجلها، وهي تقديمُ النّصّ الحديثي الصحيح الواضح، وأنّه رغم الحاجة المُلحة إلى تأسيس منهجية جديدة لاختبار صحة المتن وقابلية علم الحديث بوصفه علمًا توثيقيًا تاريخيًا قابلًا لأن يُمنهج، وقابلًا لأنْ يَستندَ إلى قواعدِ المنطق والعقل، فتأسيس وجهة نظر حديثية منهجية جديدة، جائزٌ عقلًا ممتنعٌ واقعًا؛ لأنّ مدارسَ علم الحديث الكلاسيكي جامدة، لا يُنتظر منها تجديدًا، فالأرضية العامة الإجمالية بين مدارس علم الحديث تكاد تكون مشتركة، فالخلافات بينهم تكمن أساسًا في سلسلة الرجال، وامتداداتها خارج دائرة الرجال قليلة التأثير.
أخيرًا تستمد منهجية ياسين الفكرية مشروعية من التّراث الإسلامي الذي لم يستبعد الفهم والشرح والتأويل بشأن الثوابت الدينية “العقائد” و”العبادات”([4]) ورأى أنّ الإيمانَ بها لا ينفيه الاختلاف بخصوص فهمها، فإيمان علماء المسلمين الأوائل بالثوابت العقدية والتعبدية لم يكنْ مانعًا للاختلاف بشأن فهمها وشرحها وتأويلها، بداية من تعريف “الإيمان” وما إذا كان قاصرًا على إيمان القلب أم أنّه يتضمن “العمل”، وصولًا إلى اختلافهم بخصوص طبيعة “التوحيد”، فمنهم من فصل بين “الذات الإلهية”، ومنهم من وحّد بينهما، كذلك اختلافهم بخصوص طبيعة القرآن الكريم، بين قائلٍ بأنه أزليٌ قديم وقائلٍ بأنّه مُحدَثٌ مخلوق.
______________________________________________
المصادر:
([1]) سورة الرعد، الآية ١٣.
([2])سورة البقرة، الآية ١٧٠.
([3])سورة المائدة، الآية ١٠٤.
([4]) المتمثلة في الإيمان بالله ورسله وملائكته ورسله اليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا.
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.