أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
السؤال في مشروع عبد الجواد ياسين الفكري

السؤال في مشروع عبد الجواد ياسين الفكري

لم يستسلم ياسينُ في رحلته البحثية للإجابات الجاهزة

11 دقيقة قراءة

” تحوّلات الرُوح لا تُولد، بل تتكون”

القراءة في نتاج المفكر المصري المستشار عبد الجواد ياسين، هي محاولةٌ لإضاءة فهمنا وتعميقه لخطاب الإصلاح في الفكر العربي بكل طموحاته وإنجازاته، وبكل انكساراته، ذاك الخطاب الذي تمتد جذوره إلى التّراث متمثلًا في الإنجازات العقلانية والنقدية عند الاعتزالية والرشدية، وتمتد فروعه في نتاج خطاب النهضة عند: رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين وما تبعهم من جُهود صادقة في سعيها في إنتاج وعي علمي بالتراث، فيُمثل عبد الجواد ياسين امتدادًا للإصلاحيين على مستوى طرح الأسئلة، وعلى مستوى الإجراءات التحليلية، لكنّه امتدادٌ لا يُعيد ولا يُكرّر، بل يحمل السؤال إلى مدى أبعد، ويطور المنهج في هيئة إجراءات أعمق.

ومن نافلة القول أنْ نُشير إلى أنّ دالَّ القراءة في لغتنا البحثية لا يُفيد النّطق بوحدات صوتية، بل يُشير إلى نشاطٍ معرفي ذهني يَتَكَوَّنُ وَفْق رؤية القارئ للعالم، وحتى نكون صادقين مع أنفسنا علينا أنْ نعترفَ بأنّ القراءةَ التي تُسيطر على واقعنا الفكري المعاصر قراءة مُردّدة ترفض -بدافع من التقليد- الانخراط في التاريخ، وتتجاهل أسئلة الواقع الملحة، فتزيّف تلك القراءة بالترديد والتبرير المستمر حقيقة القراءة القائمة على الفكر، فالقراءة التي تكتفي بالتبرير، إنما تنتمى إلى الفكر على سبيل المجاز لا الحقيقة، فـالفكر هو تحريكٌ وحراكٌ ذهني يُؤدي إلى تجديد، وكلُّ نتاجٍ لا يحمل جديدًا لا يعدو عن كونه ترديدًا وتكرارًا لما سبق قوله، وليس من الفكر في شيء.

وهذا ما لم يعرفه نِتاج ياسين الفكري، فالمتتبعُ لنِتاجه يُدركُ أنّ ما قدَّمه من قراءة ثانية للتراث يُمكن أنْ نُطلقَ عليه قراءةً حيّة واعية؛ لما تتسم به تلك القراءة من حركة لا تهدأ، فهو معها في حركة بندولية بين الماضي والحاضر، ليس لإعادة تأويل التراث، فآلية التأويل، من منظوره، آلة لقهر النصوص، كي تتوافق مع ثقافة الاجتماع المُعاصر، وإنما قراءة غايتها معرفة الذات، والبحث في جذور الإخفاق الحضاري الذي نعيشه، واكتشاف أسباب فشل الحداثة العربية، وانحصارها في “شعاع” ضعيف غير قادر على إحداث تغيير بِنيوي داخل الفكر الإسلامي الذي لا يزالُ محكومًا بمكونات الحالة السلفية.

عبد الجواد ياسين نموذجٌ للمفكر الإسلامي الذي أمعن في المثابرة والإصرار على مواجهة التخلف الذي نعيشه، والمضي بالبحث العلمي في الطريق الشائق الذي قرّر أنْ يسلكَه، إنّه طريقُ فهم الإسلام بين الوحي وحركة التاريخ أو حركة الاجتماع على حد تعبيره، لم يُبرر ياسين تخلّفَ مجتمعاتنا بمؤامرة الآخر، بل بحث عن أسباب التخلّف داخلنا، مستحضرًا قول السيد المسيح “إنّ أحدكَم ليرى القشّة في عين أخيه، ولا يرى الخشبة في عين نفسه”، فيعيش ياسين مهمومًا بعلاقة الحاضر بالماضي والمستقبل، تلك العلاقة التي تُمثّل أحد الهموم الفلسفية في الفكر الإنساني المعاصر عامة، وتمثّل همًّا مضاعفًا في واقعنا العربي بصفة خاصة؛ لذا تُمثّل قراءة التراث في ضوء مشكلات الواقع الراهن إحدى أهم الإشكاليات المَاثلة في أفق همومنا الثقافية والفكرية لأمدٍ زمني يصعب التّكهن بوصوله إلى محطة معرفية هادئة خالية من صخب النزاع الإيديولوجي والصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المحتدم.

لم يستسلم ياسينُ في رحلته البحثية للإجابات الجاهزة، التي يزدحم بها التّراث بحُكم امتداده التاريخي، ويحتاج تجنّبها إلى طاقة هائلة وحذر حتى لا يقع في حبائلها الباحث المُدقق، التي متى تسرّبت إلى وعي الباحث أدخلته في دوامة “التشويش الأيديولوجي” الذي يُفسد عليه عمله، وإذا كان من المستحيل علميًا وإنسانيًا أنْ يتجنبَ الباحثُ كلّ ما هو مطرُوحٌ من إجاباتٍ في التراث أو الثقافة، فإنّ عليه أنْ يختارَ من بينها أشدّها صدقًا واقترابًا من الحقيقة بعد أن يُخضعها لمنهج الشكّ العلمي.

لم يزعم ياسين امتلاكه للحقيقة بألف ولام العهد، وإنما سعى في مقاربتها بالقدر الممكن علميًا وإنسانيًا، فقدّم مشروعه الفكري تقديمَ خطابٍ يُشارك ولا يُقصى، ويُحاور ولا يُصادر، فلا يعدو عن كونه اجتهادًا ورأيًا يحتمل الصواب والخطأ، ويقبل النقد والمراجعة، متسقًا في ذلك مع قواعد التفكير العلمي التي لا تعترف باليقين أبدًا، بل تقوم على الشكّ العلمي المنهجيّ skepticism ، والتفكير النقدي critical thinking الذي يجعل الباحث يُراجع أفكاره، ويختبر مدى صحتها أولا بأول، فالعقل البحثي “يشكّ في كلّ شيء”، ويبدأ غير متأكد من كلّ شيء، فمثل هذا يُحرّر الفكر فتجده يكتشف ويبدع. فمن أخطر ما يُواجهنا تغييبُ التفكير العلمي عن تناول قضايا وإشكاليات الفكر الإسلامي، مما أوقعنا فريسة للجهل والخرافة.

كان ياسين صريحًا واضحًا في مراجعاته الفكرية، فيقول عن كتابه “مقدمة في فقه الجاهلية المصرية”: “ينطوي الكتابُ على خصائصَ تكفيريةٍ صريحة وضمنية، ولست واثقا ممّا إذا كانت فكرة التمييز بين الكفر العيني وجاهلية المجتمع والدولة قد عُبر عنها في الكتاب بوضوح، ولا مما إذا كانت هذه الفكرة ذاتها قادرة على تخفيف المعنى التكفيري (القول بتكفير معتدل يُعادل القول بتطرف معتدل) ولذلك فأنا أتفهم الآن التقييماتُ التي تضع الكتابَ في خانة الأصولية المتطرفة، وأنا أيضًا واثقٌ من حجم التأثير السلبي قطعًا الذي تركه الكتاب في أفراد الحركة الإسلامية وأدائها العام في هذه المرحلة. ولكني أعتقد مع البعض بأنّه لم يكنْ صفرًا، ومن هنا شعوري بالندم، هذا الكتاب عندي نصٌّ منسوخ”. ([1])

من جانب آخر يقوم سؤال ياسين البحثي على كسر التوقع، فالتفكير العلمي مُزعج وصادم للنّفس التي تهوى أن تقرأ وتسمع ما تحبّ، بصرف النظر عن موقع ما تقرأ أو تسمع من الحقّ أو موقفه من الحقيقة؛ فالبحث العلمي في الإسلاميات يستلزم كثيرًا من الجرأة والشجاعة في طرح الأسئلة وجرأة أشد وشجاعة أعظم في البحث عن الإجابات الدقيقة لهذه الأسئلة، فيُمكننا القولُ إن ياسين من المفكرين القلائل في عالمنا الإسلامي الذين قرروا أنْ يسبحوا عكس التيّار؛ مخالفًا الاتجاه العام الذي ينفر من المغامرة خوفًا من الوقوع في الخطأ؛ ظنًا منهم أنّ الخطأَ وسيلة للهلاك! في حين الخطأ هو الوسيلةُ الوحيدة إلى الصواب، فكلّ يقين يقع بين شكين شكّ يعقبه يقين، ويقين يعتريه شكّ.

فالتفكير في ذاته ليس جريمة، ونشْر الاجتهاد الذي هو ثمرةُ التفكير واجب يُمليه ضمير الباحث ومسؤوليته إزاء دينِه ومجتمعِه، مُتحليًا بتقوى معرفية تُمْلي عليه أنْ يُقدّمَ اجتهاداتَه بلغة جسورة غير مرواغة، لغةٌ تقول ما تُريد دون لفٍّ أو دوران حول المعنى، ودون تحسس لحركة اتجاه الريح أو تلمّسٍ لما يُمكن أنْ ينالَ رضا “العامة” أو موافقة من يُغازلون “العامة” بخيانة الفكر والضمير، بل وخيانة العقيدة.

انطلق ياسين من داخل بِنية المدرسة النصوصية/الظاهرية التي تتعصب لظاهر النصّ وترفض القراءة الثانية، وتجلّى ذلك في كتابيه: “مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة”، و”تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر”، فبدأ ياسين مؤمنًا بفكرة “أن الإسلامَ دينُ دولة تفترض أحكامه وقواعده جميعًا، وجود كِيان جمعي قائمة على رأسه سلطة حاكمة، يقع على عاتقها عبء النهوض بهذه الأحكام والقواعد وإنزالها منزل التطبيق والنفاذ”.([2]) إلا أنّه سرعان ما تجاوز أفكار تلك المدرسة مُفككًا نسقها الفكري المُغلق منتقدًا أفكارها عن قُرب، مُعلنًا أنّ “المشكلةَ الكبرى التي ورثناها من السلفية تكمنُ في غياب الحرية والعقل”، متجاوزًا تلك البداية إلى مشروعه الفكري الحقيقي الذي يستكمل به الأطرُوحات العقلية للإصلاحيين، فانتهى إلى موضع أبعد ما يكون عن الموضع الذي بدأ منه، فلم تقف قراءتُه عند مجموعة القواعد والمعايير النظرية التي وضعها العقل السلفي لفهم النص الديني وشرحه وتأويله، بل اتّسع مفهومُ القراءة عنده تبعًا لتنوع العلوم التطبيقية والفلسفية التي اطلع عليها مُستفيدًا من إلمامه المبكر بعلوم التراث من فقه وشريعة وتاريخ وعلوم قرآن وعلوم حديث، مُضيفًا إليها انفتاحه الفكري على العلوم الحديثة وفلسفات وتنظير المفكرين المعاصرين، فالعقل المُتطلّع إلى المعرفة، الباحث عن إجابات لأسئلة الحاضر، كلّما تعرّف على ثقافات متنوعة، اتّسع أفقه، وازدادت ثقته بنفسه كجزء من عالم متعدد الأفكار والثقافات، وأصبح مرنًا لا يتوقف عن مراجعة أفكاره ومواقفه باستمرار، متقبلًا للتغيير والتجديد الذي لا يأتي فجأة بل يحتاج إلى قراءات وتأملات، فعلى حدّ تعبير ياسين “تحوّلات الرُوح لا تُولد بل تتكون”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) حوار مخطوط مع المستشار عبد الجواد ياسين.

([2]) ياسين، عبدالجواد، مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، ط١، ١٩٨٦م، ص١١.

روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.