
مسارات تلامذة الإمام محمد عبده خارج الأزهر: الجزء الأول
كان للإمام وتلامذته دور كبير في تطور الدراسات العربية والأدبية والقانونية والتاريخية
الإمام محمد عبده (١٨٤٩-١٩٠٥) عميد مدرسة البعث الفكري، وأحد أهم الإصلاحيين في تاريخ مصر المعاصر، عادى الجمود الفكري، ورأى في التراجع عن مواجهته انهزام، وتراجع، فـ”إيمان هذا المصلح العظيم بالتّقدم لا يقلّ عن إيمانه بالإسلام، فعمل بإخلاص على أن يُوفّق بين عقيدة الإسلام والتقدم”. ([1])
فتح الشيخ محمد عبده باب الاجتهاد، وقدّم مشروعا لإصلاح الأزهر إصلاحا شاملا يقضي على كل أثر للجمود فيه، وهذا ما لم يقبلْه الخديوي وكثير من الأزهريين حينها، وقدّم مشروعا لإصلاح المحاكم الشرعية، وهو التّقرير الذي كان أساساً لكلّ إصلاح حدث في هذه المحاكم فيما بعد، فعمل ما يقرب من ثلاثين عاما على إصلاح الأزهر والمحاكم الشرعية، والفتوى، ونظام الوقف، والتدريس، والصحافة، شغل خلالها العديد من الوظائف، فكان معلما، وصحفيا، وقاضيا، ومفتيا، عاش خلالها غربة الوطن، وغربة المنفى، رضا السلطة، وغضبَها، وكان في جميعها منشغلا بإعداد تلاميذ يشاركونه الإصلاح، ويُكملون مسيرته، قال عنهم: “إنّ الله يبعث إليّ بهذا الشباب؛ ليكون مدداً لحياتي ومزيداً في عمري، إنّ في نفسي أموراً كثيرة أريد أن أقولها وأكتبها.. وقد ابتليت بما شغلني عنها.. وهؤلاء الطلاب يقومون ببيانها الآن..”
كان للإمام وتلامذته دور كبير في تطور الدراسات العربية والأدبية والقانونية والتاريخية، وازدهار الحياة الصحافية والحزبية، فنهض الشيخ وتلامذته بلغة الصحافة، فانتقلوا بها إلى الكتابة العلمية والتخلص من الطريقة التي تعتمد على البديع والسجع والإكثار من التورية المعروفة باسم طريقة القاضي الفاضل وابن العميد إلى الأسلوب النثري المرسل، جدد الشيخ في أسلوب النثر، وفي معانيه، وموضوعاته، امتازتْ كتابته بالوضوح وحسن الترتيب وسلامة التراكيب، والبراءة من الغريب، والحشو، فيُعدّ الشيخ مجدد الأدب النثري في العصر الحديث، ومحرره من القيود التي أثقلته، وجنت عليه في العصور الوسطى، فالمتأمل في أدبه يراه قد تنقّل في أطوار عدة، فقد كان أول أمره يميل إلى السجع والتكلف والصنعة، وبعض المحسنات البديعية والمصطلحات العلمية. ويستعمل ألفاظا دخيلة من اللغات الأوروبية أو التركية، ثم أخذ يتحلل من قيود الصنعة شيئا فشيئا بعد تضلعه في الأدب العربي، والإكثار من قراءة الكتب القديمة، ثم سما وعذب ورق بعد دراسته اللغة الفرنسية والآداب الأوروبية الحديثة، وما قام به الشيخ في إحياء الفكر البلاغي بتدريس علم البلاغة في الأزهر لأول مرة من كتابَيّ الشيخ عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، أقرب ما يكون إلى ما قام به محمود سامي البارودي في إحياء التراث الشعري، وقد شاعت طريقة الشيخ بين المتأدبين في عصره فترسّموا خُطاه، وساروا على نهجه. ([2])
ولم تقف جهود الإمام عند النهوض بلغة الصحافة بل كان له دور كبير في ازدهارها وانتشارها فبالإضافة إلى إشرافه على تحرير جريدة “الوقائع المصرية” شجّع تلاميذه على إصدار الجرائد، والكتابة في الصحف، يشاركهم في ذلك، ويحثّ غيرهم من تلامذته على المشاركة في الكتابة، فأصدر تلميذه “أديب اسحق” جريدة “مصر”، كتب فيها الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وإبراهيم اللقاني، وشجع بدوره تلميذه “رشيد رضا” على إصدار “المنار” وشجع “إبراهيم سراج” على إصدار صحيفتي “الحجاز والفسطاط “، كما سبق للشيخ أن أصدر صحيفة “الاتحاد العربي” في لندن بمعاونة “بلنت” صديق العرابيين، واشترك مع السيد جمال الدين في إصدار “العروة الوثقى” في باريس.
رفض الشيخ كلّ أشكال السلطة الدينية، وأعاد النظر في التراث، واعترف بمكانة العقل في الوصول إلي الله، فعلى نقيض موقف دعاة الجمود والتقليد في الاكتفاء بظواهر النصوص، وإنكارهم تعقّل مرامي ومقاصد النصوص أكّد الشيخ محمد عبده على أن
“المرء لا يكون مؤمناً إلا إذا عقل دينه، وعرفه بنفسه حتى اقتنع به، فمن تربّى على التسليم بغير عقل، والعمل – ولو صالحا – بغير فقه، فهو غير مؤمن”.
وأفكار الأستاذ الإمام مثل أفكار سائر المصلحين متى بدأتْ، لا تنتهِ، يظلُّ يُجددها طلاب يتعاقبون جيلا بعد جيل.. فدورةُ حياة الإنسان لها بداية ونهاية، أما أفكار المصلحين فهي أقوى من دورة الحياة. اقتنع تلامذة الإمام بأفكاره دون أن يجعلوه، ولا يجعلوها أصناما يدورون حولها، وإنما يُشعلون فتيلها؛ ليمضوا بنورها في طريق ممتد، لا يعرف قيودا سوى سلامة الأدوات المنتجة للمعرفة، آمنوا بضرورة إصلاح الفكر الديني كخطوة أولى على طريق الإصلاح السياسي والاجتماعي، فالفكر الديني يُمكن أن يكون عاملا من عوامل النهوض والتّقدم، ويُمْكن أن يكون عاملاً من عوامل النكوص والتخلّف..
امتدّ أثرُ الأستاذ الإمام إلى مختلف مجالات المعرفة، وأسهم في تشكيل فكر أعلام حركة التجديد الديني والاجتماعي ممن عاصروه، أو جاءوا بعده، وأبرز ما يُميّز تلاميذ الإمام محمد عبده أنّهم لا يُمثّلون تيارا فكريا واحدا، فمنهم المحافظ والمُجدّد، كما أنّهم لم يسلكوا مسارا واحدا إلى الإصلاح، فتعددت المسارات بين السياسة، والتعليم، والصحافة، والقضاء، والتأليف.
حوّلت روح المعلم التي سكنت الإمام كلّ مكان عاش فيه أو مرّ به إلى قاعة للتدريس والنقاش والتفكير، بجوار أعمدة الجامع الأزهر قبل أن يحصل على العالمية، وفي دروس الأزهر المخصصة له بعد حصوله على العالمية، وفي الرواق العبّاسي، وفي مدارس دار العلوم، والألسن، وفي بيته حيث قرأ لطلابه “تهذيب الأخلاق لابن مسكويه (١٠٣٠-٤٢٢ه) وكتاب “التحفة الأدبية في تاريخ الممالك الأوربية” للوزير الفرنسي” فرانس وجيزو” في الأخلاق والسياسة.
من تلاميذ الإمام: حفني ناصف، عبد الوهاب النجار، أحمد إبراهيم، محمد الخضري، سعد زغلول، أحمد زغلول، أحمد لطفي السيد، قاسم أمين، محمد شاكر، مصطفى المراغي، مصطفى عبد الرازق، إبراهيم حمروش، عبد العزيز جاويش، أحمد تيمور، طه حسين، محمد شاكر، محمد رشيد رضا، محمد فريد وجدي وغيرهم.. وممن تأثروا به وبتلامذته محمود شلتوت، أحمد أمين، عبد المتعال الصعيدي، محمد البهي، الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ على الخفيف، والأستاذ عبد الوهاب خلاف، وفرج السنهوري، وعلي حسب الله، عبد الوهاب عزام، وأمين الخولي، عباس العقاد، والمازني، ومحمد حسين هيكل، ومحمد البهي، ومحمد رجب البيومي، وعبد الحليم محمود، وغيرهم.
تنوّعت مدرسة محمد عبده بتنوع ثقافة تلامذته، وبتأثرهم بالمتغيرات السياسية والاجتماعية التي عاشها كله منهم، فضمت المجددين والمحافظين بأطيافهم وألوانهم، فوُجد النقيضان في مدرسة محمد عبده: وُجد سعد زغلول وحزب الوفد في مقابل أحمد لطفي السيد وحزب الأحرار الدستوريين.. وُجد الشيخ عبد العزيز جاويش، فرغم أن الشيخ جاويش ينتمي إلى الحزب الوطني الذي يتبنى مسارا مغايرا لمسار الإمام الهادئ إلا أنه ارتبط بالإمام، وتأثر بأفكاره الإصلاحية، وحافظ على حضور دروس الإمام في منزله بعين شمس.
وُجد طه حسين ومحمود شلتوت وغيرهم ممن يرون إخضاع القرآن للكيمياء والأحياء والفيزياء وغيرها من العلوم هو عنف وغبار يُثار حول القرآن الكريم ولغته الأدبية وغايته في الهداية، ووُجد في مقابلهم محمد وجدي فريد، والشيخ طنطاوي الجوهري (١٢٧٩-١٣٥٨-ه/ ١٨٦٠-١٩٤٠م) الذي حاول استخراج النظريات العلمية من الآيات القرآنية، ومزج العلم بالدين في تفسيره “الجوهري في تفسير القرآن”، والرّبط بين آيات القرآن والنظريات الحديثة.
وُجد سعد زغلول وعاطف بركات من تلامذة الإمام اللذان كان لهم دور كبير في تحقيق حلم الإمام محمد عبده في إقامة مدرسة القضاء الشرعي، ووُجد الشيخ الأحمدي الظواهري، والشيخ مصطفى المراغي شيخا الأزهر، من تلامذة الإمام اللذان كان لهم دور كبير في إلغاء مدرسة القضاء الشرعي عقب وفاة سعد زغلول، وصدور قانون إصلاح الأزهر في (١٣٤٩هـ-١٩٣٠م)، وُجد قاسم أمين صاحب كتاب تحرير المرأة، وطه حسين صاحب كتاب في الشعر الجاهلي ووُجد الشيخ محمد الخضري والشيخ عبد العزيز جاويش اللذين سيخوضون معارك فكرية ضد الكتابين.
لم تكن مدرسة الأستاذ الإمام محصورة يوما في أركان الأزهر، وإنّما تجاوزته منذ بدايتها، فنجح تلامذته في تطوير أفكاره إلى مواقف.. وإزالة الغموض عن جانب منها.. وحسم تردد الشيخ في بعضها.. والأكثر أنّهم نقدوا بعض أفكار الإمام مما كان له أثره في إثراء الفكر الإصلاحي.
فبعد أن وصف الدكتور طه حسين الإمام محمد عبده بالمصلح العظيم للإسلام، وسيد الأزهر دون منازع، المحبوب من قلة قليلة، المرهوب من الجميع، رأى حسين أن تطوير الشيخ في برنامج التعليم الأزهري غير كافٍ، فهو وإن درّس في الأزهر لأول مرة التاريخ والجغرافيا والأدب والرياضيات ما من شأنه أن يُوقظ فكر الطلاب، ويُوسع آفاقهم، إلا أنه لم يفتح الباب أمام الفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية، “وحرّم على نفسه كما حرّم على غيره ذكر الفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية؛ فقد كانت تلك أسماءٌ يقف لها شعر ذلك الجيل من الأزهريين الذين كانوا يعتقدون أن كلّ المواد التي تُدرس في المدارس المدنية ضارة كريهة ولابد أن تؤدي إلى التهلكة”.([3])
من ناحية أخرى ظلّ الشيخ محمد عبده منحازا للقديم، فلم يبتعد عن الموروث، “فلم يكن يدرس شيئا جديدا كلّ الجدة، وإنما يلتمس أسس تعاليمه في أقدم الكتب الكلاسيكية، وأكثرها حظا من التوقير، فكان يُدرّس البلاغة والمنطق والتفسير؛ وكان ينصرف لهذا الغرض عن الكتب المألوفة، ويبعث المؤلفات القديمة التي لم يعدْ معاصروه يعرفون منها إلا عنواناتها”، فكان من عادته أنْ يجلس لساعاتٍ في خزانة الكتب يبحثُ بين كتبها القديمة عما يصلح لطلابه.
ثم يعود، ويُثني طه حسين على منهج عبده، فكان يُدرّس كُتبَ التّراث القديمة بمنهج جديد تماما، مثّل “خروجا كاملا على المدرسة الأزهرية. فقد كان يُبدي الإهمال عامدا إلى كل ما له علاقة بالألفاظ، بينما يولي عناية فائقة لكل ما يتعلق بالأفكار، وكان يحرص أشد الحرص على كل ما من شأنه أن يحفز إلى التفكير والتمعن، وكان يسائل تلاميذه، ويحثهم على أن يسائلوه؛ ثم كان يحاول أن يدفعهم إلى الإجابة، ويناقش إجاباتهم، وينتهي بذلك إلى أن يفتح لهم آفاقا غير معروفة، ولقد غرس فيهم الرغبة في الاطلاع والنقاش، ودفعهم إلى حب حرية الفكر، وعلمهم التعبير عن آرائهم، ولعل هذا هو ما سيبقى منه على وجه التأكيد؛ فذلك هو إنجازه الحقيقي الراسخ. ولا شك أن الشيخ محمد عبده هو محرر العقل في مصر، فلم يكن يحضر دروسه الأزهريون فقط، وإنما كان يأتي للاستماع إليه كثير من الأفندية من المحامين والقضاة والأطباء، ولعلهم كانوا أقدر على تذوق هذه الدروس من الطلاب الأزهريين”. ([4])
وبينما يعترف الدكتور طه حسين بالأثر الكبير الذي أحدثه الأستاذ الإمام في العقل الشرقي والعالم الإسلامي، فمما لا شك فيه “أن الشيخ محمد عبده قد هزّ العالم الإسلامي بأسره، وأيقظ العقل الشرقي وعلّم الشرقيين أن يحبوا حرية الفكر”، إلا أنّه رأى في محاولات توفيق الشيخ بين العلم والدين محاولات غير جيدة، فمن غير المقبول أن ننشغل بمثل هذه المحاولات من التّلفيق.
فيصف طه حسين محاولات محمد عبده التوفيق بين آيات القرآن وحقائق العلم بعُنف يُمارسه الشيخ تجاه النص القرآني، “فما أكثر العنف الذي يمكن لهذه المحاولة أن تتناول به نص الكتاب الكريم! وما أكثر ما تعزو إلى الألفاظ من معان غريبة كلّ الغرابة على العرب القدماء! أفلا يجدر بالأحرى أن نتقبل العلم والوحي كما هما وأن نعترف لكل منهما بمجاله الخاص في حياة الإنسان”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
([1]) د. طه حسين، من الشاطئ الآخر كتابات طه حسين الفرنسية، ترجمة عبد الرشيد المحمودي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ص٣٩.
([2]) د. محمد عبد المنعم خفاجي، الأزهر في ألف عام، ص٣٠٩.
([3]) من الشاطئ الآخر كتابات طه حسين الفرنسية، ترجمة عبد الرشيد المحمودي، ص٤١.
([4]) السابق، ص٤٢.
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.