
مسارات تلامذة الإمام محمد عبده خارج الأزهر: الجزء الثاني
لم يلتزم تلامذة الإمام محمد عبده بمسارٍ واحدٍ في حياتهم السياسية والصحفية
لم يلتزم تلامذة الإمام محمد عبده بمسارٍ واحدٍ في حياتهم السياسية والصحفية، فتعددتْ الأحزابُ والصحفُ التي أسسها تلامذة الإمام، فكان الأب الروحي لأكثر من مدرسة صحفية وحزب سياسي تأسست بعد رحيله، ومن أهم تلامذته في هذا المسار الأستاذ أحمد لطفي السيد (١٥يناير ١٨٧٢- ٥ مارس ١٩٦٣) أحد مؤسسيي وفد مصر إلى باريس للمطالبة بجلاء الإنجليز عن مصر، ومفكر حزب الأمة، ورئيس تحرير جريدتها “الجريدة”، ووكيل الجامعة الأهلية أول جامعة في مصر، وأول مدير للجامعة المصرية ومرسي قواعد عملها، ومؤسس مجمع اللغة العربية في تأسيسه الثالث عام ١٩٣٢.([1])
تعرّف أحمد لطفي السيد على الإمام محمد عبده عام ١٨٩٢م أثناء دراسته، عندما عُهد إلى الإمام بتصحيح أوراق امتحانات طلاب مدرسة الحقوق، فكما بدأت العلاقة الوثيقة بين الإمام محمد عبده، والشيخ محمد مصطفى المراغي في امتحانات عالمية الأزهر، فاستوقف الإمام الرّدود الذكية من الشيخ المراغي على أسئلة الاختبار الشفهي، كذلك بدأت علاقة الإمام بالأستاذ “أحمد لطفي السيد” من ورقة إجابته الذي كان يتوقع أن يرسب فيها؛ لأنه كتب موضوعا يُنكر فيه حقّ الحكومة في عقاب الجناة؛ لأنّ الحكومة نفسها تقوم على العنف، وليس على العقد، وفُوجئ “أحمد لطفي السيد” بالشيخ محمد عبده يُهنئه على شجاعته وقوة أسلوبه.
تخرّج من مدرسة الحقوق عام ١٨٩٤، وعيّن كاتبا في النيابة بالقاهرة، ثم سكرتيرا للنائب العام، ثم انتدب للعمل وكيلا للنائب العام بنيابة بني سويف، وهناك التقى بعبدالعزيز فهمي، وكان هو الآخر وكيلا للنائب العام، وأحمد طلعت رئيس النيابة، واتفقوا على تأسيس جمعية سرية باسم “جمعية تحرير مصر”، ووصلت الأخبار إلى الخديوي عباس حلمي الثاني، فطلب من مصطفى كامل أن يضم تلك الجمعية إلى جمعيته السرية حينها جمعية “الحزب الوطني”، وتكرر لقاء أحمد لطفي السيد بأعضاء الجمعية بما فيهم الخديوي عباس حلمي الثاني الذي طلب منه الخديوي أن يُسافر إلى سويسرا للحصول على الجنسية السويسرية بما يُوفّر لها الحماية عندما يصدر جريدة وطنية بعد العودة إلى مصر، وهناك التقى بالشيخ محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين، وبتقارب أحمد لطفي السيد مع هذه المجموعة تباعد عن الخديوي الذي كانت علاقته قد ساءت بتلك المجموعة.
ترك أحمد لطفي السيد العمل بالنيابة عام ١٩٠٥م للاشتغال بالمحاماة إلا أنه سرعان ما تركها، للصحافة والسياسة، ففي منزل “محمود سليمان” في ٢٣ يونيو عام ١٩٠٦ اتفق مع نخبة من رموز العمل السياسي والصحفي على تكوين شركة لامتلاك مطبعة وإطلاق جريدة مصرية مستقلّة حرّة لا تميل إلى تركيا أو الخديوي أو الإنجليز، واختير محمود سليمان رئيسا للشركة، ومحمود عبدالرازق وأخوه حسن عبدالرازق باشا والد الشيخ مصطفى عبدالرازق وكيلا للشركة، واختير أحمد لطفى السيد مديرا للجريدة ورئيسا لتحريرها لعشر سنوات، وبمشاركة على شعراوي، وإبراهيم سعيد، وإسماعيل أباظة، وباسيلي تادرس، وأحمد يحيي، وإبراهيم مراد، وطلبة سعودي، ومحمود عبد الغفار، وعمر سلطان، وصدر العدد الأول من الجريدة في٢٣ شعبان ١٣٢٥ه/ ٩ مارس ١٩٠٧م، فحمل لواء جريدة “الجريدة” نخبة من تلامذة الإمام الذين تأثروا بأفكاره وآراءه السياسية ودعوته الإصلاحية.
تنوعت التيارات الفكرية داخل جريدة “الجريدة”، فكتب فيها مصطفى صادق الرافعي، وعبد العزيز فهمي، ومصطفى صادق الرافعي، وقاسم أمين، وأحمد فتحي زغلول، وطلعت حرب، وعلى أبو الفتوح الذي أسس جمعية لترجمة الكتب الاقتصادية، ومحمد السباعي، وعزيز خانكي، وشهدت الميلاد الصحفي لشباب سيصبحون من كبار الكتّاب من أمثال عباس العقاد، ومحمد حسين هيكل، ومصطفى عبد الرازق.
وفي يوم السبت ٢١ سبتمبر عام ١٩٠٧ في اجتماع الجمعية العمومية لشركة الجريدة، أعلن حسن باشا عبد الرازق تحويل الجمعية العمومية إلى حزب هو “حزب الأمة”، وأصبحت “الجريدة” ناطقة باسم الحزب، وظلّت تصدر حتى عام ٣٠ يوليو ١٩١٥، توقف أحمد لطفي السيد عن الكتابة، بعد إعلان الحماية على مصر في ديسمبر عام ١٩١٤، واندلاع الحرب العالمية الأولى، واعتكف بقريته “برقين” مركز “السنبلاوين” بمحافظة الدقهلية، حتّى كان إعلان الهدنة ١١ نوفمبر ١٩١٨، وتشكّل الوفد الأول بقيادة سعد زغلول وعضوية مجموعة منهم أحمد لطفي السيد.
جمع الوفد المصري الذي تشكّل للدفاع عن حقوق المصريين ضد الاحتلال بين تلامذة الإمام سعد زغلول وأحمد لطفي السيد قبل أن يختلف سعد زغلول وعدلي يكن، وينحاز لطفي السيد إلى عدلي يكن.. ويُؤسس تلاميذ الإمام حزبين متنافسين، حزب الوفد برئاسة سعد زغلول، وحزب الأحرار الدستوريين برئاسة عدلي يكن ٣٠ أكتوبر ١٩٢٢، ورغم أنّ لطفي السيد ممن شارك في تأسيسه إلا أنّ اسمه لم يظهر في جهازه القيادي لانشغاله بالعمل في دار الكتب.
قدّم كلا الحزبين رؤية الإمام محمد عبده الإصلاحية القائمة على التّحول التدريجي لحياة نيابية يديرها مجالس نيابية ومحلية مُنتخبة، والاهتمام بالتعليم، كما عمل الحزب على تعزيز المشاعر الوطنية ونشر ثقافة الديمقراطية، غير أن مواقفهما من قضايا إصلاح الفكر الديني كانت متفاوتة، وخضعت للحسابات السياسية غير أن حزب الأحرار الدستوري كان أكثر دعما لتلك القضايا، ومن ذلك موقفه من قضية طه حسين.
شغل أحمد لطفي السيد منصب مدير لدار الكتب عام ١٩١٥، ثم تركه للسياسة؛ ليتفرغ للوفد المصري، ثم عاد مديرا لدار الكتب عام ١٩٢٢ قبيل إعلان تأسيس حزب الأحرار الدستوريين، واستكمالا لما دعا إليه الشيخ محمد عبده كان لأحمد لطفي جهود كبيرة في تأسيس الجامعة المصرية التي شغل منصب أول مدير لها ١٩٢٥، وكانت الجامعة الأهلية قد أنشئت في مارس ١٩٠٨ برئاسة الأمير أحمد فُواد، ووكالة أحمد لطفي السيد، وفي مايو١٩٢٥ عُقد أول مجلس للجامعة المصرية” برئاسة على ماهر رئيس الوزراء وأحمد لطفي السيد أول مدير للجامعة المصرية، وقد ترك المنصب، ثم عاد إليه أكثر من مرة، في عام ١٩٣٥م وفي عام ١٩٤١ حين تركها لعضوية مجلس الشيوخ. ([2])
فتح أحمد لطفي السيد أبواب الجامعة لطه حسين دراسة وتدريسا، ثمّ لأحمد أمين، وترك لطفي السيد أثرا كبيرا في عقل وقلب طه حسين الذي خاض معارك شرسة ضد العجز والفقر والخرافة والجهل، شغل حسين عمادة كلية الآداب سنة ١٩٣٠ كأول مصري في فترة عصيبة من تاريخ مصر، حُكمت فيها بالحديد والنار، فألغى الملك فؤاد وحكومة إسماعيل صدقي دستور ١٩٢٣، وعطّلت الحياة النيابية، وأسس إسماعيل صدقي بتوجيه من القصر حزبا خاصا من الأثرياء، وكبار رجال الدولة ليواجه حزب الوفد، وطلب صدقي باشا من الدكتور طه حسين أن يتولى رئاسة جريدة الشعب صحيفة الحزب الجديد لكنه رفض، فطلب منه كتابة افتتاحية العدد الأول فقط، فاعتذر طه حسين وقال “إن كتابتي في جريدة الشعب تضرنا جميعا، وﻻ تنفع أحدا.”
وفي 3مارس 1932 أصدرت الحكومة قرارا بنقل طه حسين من عمادة كلية اﻵداب إلى وظيفة مراقب بالتعليم اﻻبتدائي بوزارة المعارف، ورفض طه حسين تنفيذ القرار، ورفع قضية على الوزارة، واحتجّ طلاب كلية الآداب، وانضم إليهم طلاب الطب والعلوم، فزاد غضب رئيس الوزراء، ودعا حكومته إلى اجتماع عاجل في ٢٩ مارس ١٩٣٢، وأصدر قرارا بـ “فصل طه أفندي حسين الموظف بوزارة المعارف العمومية من خدمة الحكومة”، حينها قدّم أحمد لطفي السيد استقالته من منصب مدير الجامعة احتجاجا على قرار الحكومة ضد طه حسين، لم ير لطفي الأمر صراعا سياسيا ضد غريمه السياسي حزب الوفد لكن رآه اعتداء سافرا على الجامعة المصرية، حينها أطلق الطلاب على الدكتور طه حسين لقب عميد الأدب، وقالوا: إن أقالته الحكومة من عمادة الآداب فهو عميد الأدب، وصارت له لقبا، رحلت حكومة صدقي، وعاد الدكتور طه حسين إلى الجامعة أستاذا محمولا على أعناق الطلبة بعد نحو سنتين من فصله، وانتخب عميدا بعدها بسنتين، ترك العمادة لغيرها من المناصب، لكن ظل لقبه عميد الأدب. ([3])
ورغم خلاف أحمد لطفي السيد مع إسماعيل صدقي إلا أن لطفي السيد انضم وزيرا للدولة والخارجية في حكومة إسماعيل صدقي في وزارته الثالثة التي تشكّلت لمواجهة التحرر، والاستقلال، والديمقراطية، حتى خرج منها لطفي السيد ٩ ديسمبر ١٩٤٦م، فيُؤخذ على أحمد لطفي السيد مواقفه الحزبية، فهو مَنْ شارك في بداية حياته السياسية في تأسيس حزب الأمة في مواجهة الحزب الوطني، ورسم خط حزب الأحرار الدستوريين؛ ليواجه الوفد حزب الأغلبية الشعبية، ووزيرا للمعارف في حكومة محمد محمود التي عرفت بوزارة اليد الحديدية ثم وزيرا للدولة في حكومة محمد محمود الثانية والثالثة تلك الوزارات التي استخدمها القصر لضرب الوفد، وضرب الحياة النيابية في مصر، وها هو يُشارك في حكومات محمد محمود وإسماعيل صدقي في مواجهة التيار الوطني الديمقراطي حتى قدّم استقالته ١٩٤٦.
في مقابل ذلك المسار السياسي المُثير للجدل الذي سلكه أحمد لطفي السياسي كانت هناك مسارات أخرى أبدع فيها حقوقيا وإداريا وبرلمانيا قدّم الكثير لوطنه، ولثقافته العربية، فدعا في فترة مبكرة ١٩١٢ لاستقلال مصر عن تركيا وبريطانيا، وأن تكون لمصر شخصيتها القومية الخاصة بها، فأطلق صيحة عالية على صفحات “الجريدة” “من أجل الديمقراطية”، وأن تكون مصر للمصريين، كما عنِي فترة عمله مديرا لدار الكتب المصرية عناية كبيرة بترجمة عيون الكتب الغربية إلى العربية، فعكف سنوات طويلة على ترجمة أعمال أرسطو؛ فيُمكن وصف أحمد لطفي السيد بالفيلسوف إذ قرأ لغالبية مفكري الغرب، وفلاسفة العرب، وتأثّر بهم، وكان وراء إنشاء المجمع اللغوي المصري ١٩١٦ الذي رَأَسَه شيخُ الجامع الأزهر، وأفْرَدَ لأعضائه قاعةً من قاعات دار الكتب التي كان مديرا لها، واختير عام ١٩٤٠ عضوا بمجمع اللغة العربية، وتولّى رئاسته خلفا للدكتور محمد توفيق رفعت سنة ١٩٤٥، وظلّ رئيسا للمجمع حتى تُوفي سنة ١٩٦٣، فخلفه في منصبه الدكتور طه حسين.
ومن تلامذة الإمام أحد أعلام مدرسة الجريدة الصحفية أحمد فتحي زغلول (رمضان ١٢٧٩ه/ فبراير ١٨٦٣م – ٢٩ ربيع أول ١٣٣٢ه/ ٢٧مارس ١٩١٤م) ([4]) فكان وشقيقه سعد زغلول من المقربين من الإمام، فكان مرجعهم عندما يختلفون ممن يصحبهم معه في رحلاته الصيفية إلى سوريا، اشترك مع الشيخ محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية، وكان لتلك الجمعية فضل في إنشاء عدد من المدارس في مدن مصر وإقامة المشروعات الخيرية والعناية بالغة العربية، وظل عضواً بالجمعية مشاركاً في أعمالها ومؤثراً في أنشطتها حتى وفاته في (١١من جمادي الأولى ١٣٣٣هـ- ٢٧ من مارس ١٩١٤م) لكنه ظلّ شخصية أحمد زغلول مثار جدل كبير لعلاقته بالمعتمد السامي البريطاني ومشاركته في محكمة دُنشواي سنة ١٣٢٤-١٩٠٦م التي قضتْ بإعدام عدد من الفلاحين أمام أهليهم، وهو ما هزّ الوجدان الشعبي المصري، وكان هو الذي صاغ حيثيات الحُكم، وكان لهذه الحادثة المؤلمة أثرها القاتم على تاريخه وسيرته وأعماله، وإذا ذكر اسمه اقترن بما ارتكبه في دنشواي. ولم يشفع لأحمد فتحي زغلول باشا أنه أسهم في وضع بعض القوانين المصرية وأن هذه القوانين أفادت مما كان له من دراية عميقة وموثقة بالنظم والقوانين المختلفة بدول أوروبية كثيرة وهو ما أهله ليكون من أفضل المشرعين لما عرف به من الدقة في صياغة التشريعات وفي المؤلفات القانونية. ([5])
“وتتفق أغلب المصادر على أن أحمد فتحي زغلول كان رجل إصلاح لا رجل ثورة فساهم في سنّ القوانين الحكومية، ووضع لائحة المحاكم الشرعية التي تنظم سير العمل بها، وامتدت جهوده إلى إصلاح التعليم بالأزهر، فكان رئيساً للجنة التي شكلت لهذا الغرض، وقد أصدرت تلك اللجنة القانونية القانون رقم (10) لسنة 1911م، وهو يعد من أهم القوانين التي جاءت ملبية لآمال العلماء في إصلاح الأزهر، حيث نظم القانون الدراسة في المعهد العريق، وحدد اختصاصات شيخ الأزهر، وأوجد هيئة كبار العلماء.
ويعد أحمد فتحي زغلول من رواد النهضة الأدبية والترجمة ومن دعاة الإصلاح، من كتبه: المحاماة، شرح القانون المدني، الآثار الفتحية، رأي أن خير ما يقدمه لوطنه هو أن يترجم له ما يعتبره أنه هو سر تقدم الغرب وتفوقه، فترجم ستة من الكتب إلى العربية، هي أصول الشرائع لجيرمي بنثام، ونشر في مجلدين سنة (١٣١٠هـ – ١٨٩٢م )، والإسلام خواطر وسوانح “للكونت هتري دي كاسترى” ونشر سنة (١٣٢٥هـ – ١٨٩٧م)، “وسر تقدم الإنجليز السكسونيين” لإدمون ديمولاند، ونشر سنة (١٣١٧هـ – ١٨٩٩م)، و”روح الاجتماع” (١٣٢٧هـ – ١٩٠٩م)، و”سرّ تطور الأمم” (١٣٣٢هـ – ١٩١٣م)، و”جوامع الكلم” (١٣٣٣هـ – ١٩١٤م)، والكتب الثلاثة لجوستاف لوبون.. ونادى أحمد فتحي زغلول بالحرية في كل صورها وآمن بدور الفرد وحريته في صنع الحضارة الإنسانية، وهاجم كافة أنواع القيود، ودعا إلى تقليص دور الحكومة وتدخلها، وإطلاق حرية التعبير للأفراد وكذلك حرية النشاط الاقتصادي والاجتماعي.. اهتم أحمد فتحي زغلول بالتربية كثيراً، وكانت قضية تربية الشعب وتثقيفه تمثل جانباً كبيراً من نشاطاته وإسهاماته النظرية، حتي أنه يوم احتفال أصدقائه ومحبيه في حفل أقيم له في الجامعة المصرية هتف من على منبرها في الحاضرين من قادة الفكر والأدب: ” علموا الأمة… علموا الأمة ” وهو بذلك لا يبعد كثيراً عن مدرسة محمد عبده الإصلاحية التي كانت ترى أن الوسيلة الفعالة للنهوض والخروج من المأزق الحضاري، إنما هي التربية، لكنهما يختلفان في أن التربية التي يطرحها محمد عبده، كان يشترط لها أن تكون معتمدة على الدين، على حين قدم فتحي زغلول النموذج الإنجليزي للتربية، على أن ذلك لا يعني أن الأخير يقف من النموذج الغربي موقف الإعجاب الذي يلهيه عن النقد والوعي والرؤية والبصيرة، فهو يدعو إلى الأخذ من تلك النماذج ما يتلاءم مع طبيعة مجتمعه، ومن ثم لم يكن من دعاه التغريب على إطلاقه، وإنما كان داعية أن تستفيد مصر من العناصر في حضارة الغرب. ويعد فتحي زغلول من أكثر أدباء النهضة في مصر ترجمة عن اللغات الأجنبية.. ([6])
في مقابل التيار الليبرالي السياسي والصحفي الذي خرج من مدرس الإمام محمد عبده، وجد المسار المحافظ في مدرسة الإمام خارج الأزهر، وكان من أهم رواده الشيخ محمد رشيد رضا ومحمد فريد وجدي والشيخ عبد العزيز جاويش، اعتمد محمد فريد وجدي (١٨٧٨م/١٢٩٥ه الإسكندرية) (ت١٩٥٤م/١٣٧٣ه القاهرة) على الصحافة في نشر أفكاره، فبدأ بإصدار مجلة “الحياة” الشهرية (١٨٩٩م/١٣١٧ه)، ثم جريدة الدستور (١٠١٦نوفمبر ١٩٠٧م/ شوال ١٣٢٥ه) استمرت ثلاث سنوات حتى توقفت بسبب خلافٍ بينه وبين حزبه الحزب الوطني انتهى بتركه الحزب. خاض محمد فريد وجدي العديد من المعارك فكرية، فأكمل المساجلات التي خاضها الشيخ محمد عبده مع “هانوتو”، وكرومر وغيرهما، كما دخل وجدي في مساجلات فكرية مع معاصريه من تلامذة الإمام أمثال: قاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين وشكيب أرسلان ممن باعدتْ بينه وبينهم السياسة والأفكار، وكذلك كما دخل وجدي في مساجلات فكرية مع من قاربتْ بينه وبينهم الأفكار مثل رشيد رضا ومحب الدين الخطيب، ومصطفى كامل. قدّم محمد فريد وجدي للمكتبة العربية عددا من المؤلفات من أهمها “دائرة معارف القرن العشرين” التي خرجت في عشرة مجلدات
ومن مدرسة الإمام محمد عبده خرج صاحب مجلة المنار الشيخ محمد رشيد رضا(١٢٨٢ه-/١٨٦٥م) (١٣٥٤ه/١٩٣٥) أشهر تلاميذ الإمام، والمسجل لدروسه في التفسير، وقد خرج عن التيار المحافظ داخل مدرسة محمد عبده متمثلا في الشيخ رشيد رضا تيار الإسلام السياسي متمثلا في الإخوان المسلمين التي كان مؤسسها حسن البنا على صلة وثيقة بالأزهر متمثلا في شيخ الجامع الأزهر الشيخ مصطفى المراغي وعلى صلة وثيقة برشيد رضا، فبلغ من تقدير البنا لمجلة المنار أنه حاول استكمال المنار بعد أن توقفت بعد وفاه الشيخ رشيد رضا، فصدر الجزء الخامس من المجلد الثاني والثلاثين في (غرة جمادي الثاني 1358هـ = 18 من يوليو 1939م)، لكن هذا الإصدار توقف بعد أربعة عشر شهراً، كما أنه حاول استكمال تفسير المنار من حيث توقف الشيخ رشيد رضا حين أصدر صحيفة الشهاب، لكن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح.([7])
وتعد جماعة حسن البنا ابتعاد عن منهج الإمام محمد عبده واقتراب من مسار جمال الدين الأفغاني الذي ابتعد عنه عبده بعد عودته من المنفى، فمسار الأفغاني قائم على فكرة التغيير بالقوة والعمل السري وفق بيعة سمع وطاعة، تلك الفكرة التي ستنطلق منها جماعات التمايز بالإسلام عن المسلمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
([1]) النشأة الأولى لمجمع اللغة العربية في الفترة من عام ١٩١٦ حتى ١٩١٩، والنشأة الثانية في الفترة من عام ١٩٢٢م حتى ١٩٢٦م.
([2]) يُنظر: لمعي المطيعي، هؤلاء الرجال من مصر الجزء الثالث، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٣، ص ٥١:٣٩.
([3]) يُنظر: الحب والحقد المقدس حوار الجد والحفيد أيمن الظواهري وعبد الوهاب عزام، ص١٨٦،١٨٥.
([4]) وُلد بقرية إبيانة التابعة لمحافظة الغربية آنذاك، وتلقي تعليمه الأولى في كتَّاب القرية. ثم انتقل إلى مدرسة رشيد، فالمدرسة التجهزية، من الشباب الذين شاركوا في الثورة العرابية وأحد خطبائها، ففي أعقاب فشل الثورة واحتلال الإنجليز لمصر، أصدر وزيرُ المعارف قرارَ فصْلِ أحمد فتحي زغلول من التعليم، فقام بتغيير اسمِهِ من “فتح الله صبري” إلى “أحمد فتحي”، والتحق بمدرسة الألسن سنة (١٣٠١ه -١٨٨٣م)، وبفضل نبوغه اُبتعث لدراسة الحقوق بفرنسا؛ ليعود سنة (١٣٠١ه- ١٨٨٧م) بعد أن حصل على درجة الليسانس في القانون، عمل بالقضاء وتدرّج في العديد من مناصبه حتي أصبح رئيسا لمحكمة مصر، وأنهي حياته الوظيفية وكيلاً لوزارة الحقانية (العدل) تُوفى في (١١من جمادي الأولى ١٣٣٣هـ- ٢٧ من مارس ١٩١٤م).
([5]) يُنظر: محمد الجوادي، سُلطة العقل الطّموح، القاهرة، ٢٠٢٠، دار الروضة، ص٨٦.
([6]) أحمد تمام، مقال تلامذة الإمام في التجديد الفكري والثقافي، مجلة المسلم، القاهرة، العدد ١١٩، سنة ٢٠٠٦م.
([7]) يُنظر: د عبد الباسط سلامه هيكل، باب الله الخطاب الإسلامي بين شقي الرحى، القاهرة، نيو بوك للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ٢٠١٧، ص٣٦٩:٣٤٧.
روابط المقال

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.